بل إن أنس بن مالك -رضي الله عنه- كان له كتاب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتبه عنه، وعرضه عليه، كما في مستدرك الحاكم، وقد مر منذ قليل.
حتى عقد الخطيب البغدادي لذلك بابًا في كتابه: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع قال فيه (2) : باب وجوب المعارضة بالكتاب لتصحيحه، وإزالة الشك والارتياب، ثم قال: يجب على من كتب نسخة من أصل بعض الشيوخ أن يُعارض نسخته بالأصل، فإن ذلك شرط في صحة الرواية من الكتاب المسموع.
ثم روى بسنده عن هشام بن عروة قال: قال لي أبي: كتبت؟ قال: قلت: نعم، قال عارضت؟ قلت: لا، قال: فلم تكتب!
2 -حفظ الكتاب، وذلك بأمرين: الأول: صيانته ألا تصل له يد، وقد مر أن عبد الله بن عمرو كان له صندوق له حلق يحفظ فيه كتابه، وكان علي يحفظ كتابه في قراب سيفه، وكان خالد بن معدان الذي لقي سبعين صحابيًا يتخذ لكتابه عرى وأزرارًا؛ حفظًا له.
الثاني: حفظه حفظ الصدر، فقد كان قتادة يحفظ صحيفة جابر -رضي الله عنه-.
أقول: ثم كان بعد ذلك أول جمع للسنة يُراد به الاستقصاء؛ خوفًا من أن يندرس العلم ويضيع، وذلك في سنة مئة أو نحوها، حيث بعث عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- بأمر لابن شهاب الزهري أن يدون سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبعث به إلى كل أرض له عليها سلطان.
وبعثه لأبي بكر بن حزم الأنصاري: انظر ما كان من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا.
خلاصة ما مر:
1 -كتابة السنة كانت موجودة في عصر الصحابة والتابعين، وقلَّ تابعي لم يكن له كتاب.
2 -تدوين السنة بمعنى جمعها وتصنيفها بدأ في نهاية القرن الهجري الأول.
3 -أن التدوين المعني في الفقرة السابقة هو: التأليف والترتيب، وذلك ما عناه علماء الإسلام بقولهم: أول مَن دوّن السنن ابن شهاب الزهري، ولذا قال الحافظ في الفتح: وأول مَن دوّن الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير.