وما أدراك بمَنْ {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 5] فالتعلّم يشرُف بشرف المعلم، كما نرى مثلاً خطيباً مُفوَّهاً لا يلحن في خطبته لحناً واحداً، فنقول: نعم فالذي درس له فلان.
كذلك الذي علَّم رسول الله هو جبريل بكلِّ ما عنده من صفات القوة والذكاء والأمانة والصدق .. {ذُو مِرَّةٍ ..} [النجم: 6] .
ومعنى {فَاسْتَوَى} [النجم: 6] علَّمه جبريل حتى استوى رسول الله ونضج في عملية التحصيل الكافي لهداية العالم، فحمَّله هذه المهمة ليهدي الناس، ومنه قوله تعالى في سيدنا (موسى) :
{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [القصص: 14] .
لكن كان الوحي في أوله يثقل على رسول الله كما قال سبحانه: {سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل: 5] فأراد الحق سبحانه أنْ يريح رسوله من هذا التعب ليعطيه الفرصة ليتذوق حلاوة ما ألقى إليه ويشتاق إليه من جديد، فيكون الوحي أخفَّ على قلبه وتهون عليه معاناته.
ومعلوم أن الإنسان عادة يتحمل المشاق في سبيل ما يحب، لذلك لما فتر الوحي عن رسول الله ستة أشهر، فأخذها أعداء الدعوة فرصة وقالوا: إن رب محمد قلاه، سبحان الله، الآن وفي المصيبة يعترفون برب محمد.
لذلك ردّ الله عليهم
{وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 1 - 5] .
أي: ما ودعك ربك يا محمد وما قلاك، إنما أراد لك أنْ ترتاح.
ثم أعطاه مثالاً من واقع حركة الكون، فما أنت بالنسبة للوحي إلا مثل الضحى والليل، فالضحى للعمل، والليل للراحة، ثم يعاود من جديد لتقبل عليه في نشاط وقوة، كذلك الوحي سيعاودك وسيكون أحبّ إليك وأيسر عليك، وستكون الآخرة خيراً لك من الأولى.
ثم إن كلمة الوداع
{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 3] تدل في ذاتها على المحبة، فلم يقُل هجرك مثلاً إنما ودَّعك، والوداع يكون على أمل اللقاء كما يودع الحبيب حبيبه عند سفره.
{وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى} * {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} * {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}
قالوا: الكلام هنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان بالأفق الأعلى في رحلة الإسراء والمعراج، قال تعالى:
{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى}