وأول ما جاء الوحيُ رسولَ الله أجهده، لأنها المرة الأولى التي تلتقي فيها الطبيعة البشرية بالطبيعة الملائكية، لذلك تصبَّب عرقاً وبرد وقال: زملوني دثروني، إذن: أثّر في جسده ونفسه، حتى أنه خاف أنْ يكون ما حدث له شيئاً من مسِّ الشيطان.
ولما أخبر السيدة خديجة بالأمر وكان لها فطنة في هذه المسألة فقالت له: عندما يأتيك أخبرني، فلما جاءه الوحي أخبرها فجلستْ على ركبته وقالت: أتراه؟ قال: نعم، فكشفتْ عن صدرها وقالت: أتراه؟ قال: لا، قالت: إذن هو مَلَك وليس شيطاناً.
وتأمل هنا حصافة السيدة خديجة وما تتمتع به من فقه قبل نزول الإسلام، وكأنَّ الحق سبحانه أعدَّ للإسلام أناساً من الرجال والنساء يستقبلون خبره الأول ويؤيدونه ويُصدِّقونه دون أنْ ينتظروا معجزة يرونها ليصدِّقوه، لأن معجزة رسول الله عندهم كائنة في شخصه وفي سيرته بينهم، معجزته بالنسبة لهم في صدقه وأمانته وكرمه ومروءته.
ويكفي أنْ نذكر في هذا المقام موقف الصِّديق لما قالوا له: إن صاحبك يدَّعي أنه نبيٌّ ويُوحى إليه، فقال الصِّدِّيق وكان عائداً من سفر: إنْ كان قال فقد صدق، إذن: دليل صدقه في نظر الصديق أن يقول، مجرد أن يقول يكفي قوله ليصدق.
وهذا المعنى واضح في قوله سبحانه:
{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ..} [الفتح: 29] يعني: يكفي في تعريفه أنه (محمد) الذي تعرفونه هو رسول الله، فمنزلة رسول الله بين قومه لا تحتاج إلى وصف ولا إلى تعريف فوق ذلك.
وكان المنتظر منهم أنْ يقولوا: ومن أوْلَى بالرسالة منه، لكنهم قالوا كما حكى القرآن
{لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .
ومن معاني {ذُو مِرَّةٍ ..} [النجم: 6] أي: صاحب الخُلق الحسن والمنظر الحسن الجميل، فكان يأتي رسول الله بالمنظر الحسن الذي يحبه، وكان صلى الله عليه وسلم يحب النظر إلى دحية الكلبي فكان يأتي على صورته.
إذن: معنى {ذُو مِرَّةٍ ..} [النجم: 6] أي: فيه كل الصفات الطيبة التي تجعله مقبولاً غير مردود، وهو موصوف مع ذلك بالقوة، فلما ظهر لرسول الله بصورته الحقيقية ظهر في صورة طائر جميل له أجنحة.
كما قال تعالى:
{أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ..} [فاطر: 1] ويكفي في بيان قوته أنه ضرب قرى لوط بريشة واحدة من جناحه فدكها وجعل عاليها سافلها.