كنتُ فيهم أبداً ذا حِيلة ... مُحْكَمَ المِرَّةِ مأمُونَ الْعُقَد
وقد قيل:"ذُو مِرَّةٍ"ذو قوة.
قال الكلبي: وكان من شدّة جبريل عليه السلام: أنه اقتلع مدائن قوم لوطٍ من الأرض السفلى، فحملها على جناحه حتى رفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نبح كلابهم وصياح ديكتهم ثم قلبها.
وكان من شدّته أيضاً: أنه أبصر إبليس يكلم عيسى عليه السلام على بعض عقاب من الأرض المقدّسة فنفحه بجناحه نفحة ألقاه بأقصى جبل في الهند، وكان من شدّته: صيحته بثمود في عددهم وكثرتهم، فأصبحوا جاثمين خامدين.
وكان من شدته: هبوطه من السماء على الأنبياء وصعوده إليها في أسرع من الطرف.
وقال قُطْرُب: تقول العرب لكل جَزل الرأي حصيف العقل: ذُو مِرّةٍ.
قال الشاعر:
قد كنتُ قبلَ لِقاكُمُ ذا مِرَّةٍ ... عندي لِكلّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وكان من جزالة رأيه وحصَافة عقله: أن الله ائتمنه على وحيه إلى جميع رسله.
قال الجوهري: والمِرَّة إحدى الطبائع الأربع، والمِرّة القوّة وشدّة العقل أيضاً.
ورجل مرير أي قويّ ذوِ مرةٍ.
قال:
تَرى الرَّجُل النَّحيفَ فتزدريه ... وحَشْوُ ثِيابِه أسدٌ مَرِيرٌ
وقال لَقِيط:
حتى استمرت على شَزْرٍ مَرِيرتهُ ... مُرُّ العزِيمةِ لا رَتًّا ولا ضَرَعَا
وقال مجاهد وقتادة:"ذُو مِرَّةٍ"ذو قوّة؛ ومنه قول خُفَاف بن نَدْبة:
إِنيّ أمرؤ ذو مِرّةٍ فاستبقِنِي ... فِيما يَنُوبُ مِن الخُطُوبِ صَلِيبُ
فالقوة تكون من صفة الله عز وجل، ومن صفة المخلوق.
{فاستوى} يعني جبريل على ما بينا؛ أي ارتفع وعلا إلى مكان في السماء بعد أن علَّم محمداً صلى الله عليه وسلم، قاله سعيد بن المسيِّب وابن جبير.