الثَّانِي: كَوْنُهُ ضَعِيفَ الْقُوَّةِ عَنْ هَضْمِ ذَلِكَ الطَّعَامِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقُولَ الضَّيْفُ هَذَا طَعَامٌ غَلِيظٌ لَا يَصْلُحُ لِي بَلِ الْحَسَنُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْعِبَارَةِ الْأُخْرَى وَيَقُولَ: لِي مَانِعٌ مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ وَفِي بَيْتِي لَا آكُلُ أَيْضًا شَيْئًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ) حَيْثُ فَهَّمُوهُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِمَّنْ يَأْكُلُونَ وَلَمْ يَقُولُوا لَا يَصْلُحُ لَنَا الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، ثُمَّ أَدَبٌ آخَرُ فِي الْبِشَارَةِ أَنْ لَا يُخْبَرَ الْإِنْسَانُ بِمَا يَسُرُّهُ دُفْعَةً فَإِنَّهُ يُورِثُ مَرَضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ جَلَسُوا وَاسْتَأْنَسَ بِهِمْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ قَالُوا (نُبَشِّرُكَ) ثُمَّ ذَكَرُوا أَشْرَفَ النَّوْعَيْنِ وَهُوَ الذِّكْرُ وَلَمْ يَقْتَنِعُوا بِهِ حَتَّى وَصَفُوهُ بِأَحْسَنِ الْأَوْصَافِ فَإِنَّ الِابْنَ يَكُونُ دُونَ الْبِنْتِ إِذَا كَانَتِ الْبِنْتُ كَامِلَةَ الْخِلْقَةِ حَسَنَةَ الْخُلُقِ وَالِابْنُ بِالضِّدِّ، ثُمَّ إِنَّهُمْ تَرَكُوا سَائِرَ الْأَوْصَافِ مِنَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ وَالْقُوَّةِ وَالسَّلَامَةِ وَاخْتَارُوا الْعِلْمَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ رَأْسُ الْأَوْصَافِ وَرَئِيسُ النُّعُوتِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فَائِدَةَ تَقْدِيمِ الْبِشَارَةِ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ إِهْلَاكِهِمْ قَوْمَ لُوطٍ، لِيَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُهْلِكُهُمْ إِلَى خَلَفٍ، وَيَأْتِي بِبَدَلِهِمْ خَيْرًا منهم.
(قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ(31)
«فَإِنْ قِيلَ» : فَمَا الَّذِي اقْتَضَى ذِكْرَهُ بِالْفَاءِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرْتُمْ لَقَالَ مَا هَذَا الِاسْتِعْجَالُ، وَمَا خَطْبُكُمُ الْمُعَجَّلُ لَكُمْ؟
نَقُولُ لَوْ كَانَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً وَخَرَجُوا مِنْ غَيْرِ بِشَارَةٍ وَإِينَاسٍ مَا كَانَ يَقُولُ شَيْئًا، فَلَمَّا آنَسُوهُ قَالَ مَا خَطْبُكُمْ، أَيْ بَعْدَ هَذَا الْأُنْسِ الْعَظِيمِ، مَا هَذَا الْإِيحَاشُ الْأَلِيمُ.
* هَلْ فِي الْخَطْبِ فَائِدَةٌ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ؟