«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ لَمْ يجمع بين التَّرْهيب والترغيب في العاجلة كما جمع بينهما في الآجلة ولم يذكر حال من أسْلَمَ من قبل وأنعم عليه كما ذكر حال من أشرك به وأهلكه؟
فالجواب: أن النعمة كانت قد وصلت إليهم، وكانوا مُتَقَلِّبين في النِّعم فلم يُذَكِّرْهم به، وإنما كانوا غافلين عن الهلاك فأنذرهم به، وأما في الآخرة فكانوا غافلين عن الأمْرين جميعاً فأخبرهم بها.
{وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) }
«فَإِنْ قِيلَ» : «استمع» عطف على «فَاصْبِرْ» وَ «سَبِّحْ» وهو في الدنيا، فالاستماع يكون في الدنيا وما يوحى يكون «يوم ينادي» لا يسمع في الدنيا؟
فالجَوابُ: أنه لا يلزم ذلك، لجواز أن يقال: صَلِّ وادْخُلِ الْجَنَّةَ أي صل في الدنيا وادخل الجنة في العُقْبَى فكذا هاهنا.
ويحتمل أن يكون استمع بمعنى انْتَظِرْ. ويحتمل أن يكون المراد: تَأَهَّبْ لهذه الصيحة لئلا يَفْجَأكَ فيُزْعجكَ. والمراد بالمنادي: إما الله تعالى بقوله: {احشروا الذين ظَلَمُواْ} [الصافات: 22] وبقوله: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} [ق: 24] أو بقوله: {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ} [النحل: 27] ويحتمل أن يكون المراد بالمنادي: إسرافيل قال مقاتل: ينادي إسرافيل بالحشر يا أيتها الْعِظَامُ البالية، والأوْصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشُّعور المتفرقة، إن الله يأمركم أن تجْتَمِعُوا لفَصْل القضاء. أو يكون النداء للنفس فقال: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى رَبِّكِ} [الفجر: 27 - 28] إذْ ينادي المنادي هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار، ويحتمل أن يكون المنادي: هو المكلف لقوله: {وَنَادَوْاْ يا مالك} [الزخرف: 77] .
والظاهر الأول؛ لأن اللام للعهد والتعريف. والمعهود السابق قوله: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} [ق: 24] .
وقوله: {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} أي لا يخفى على أحد. وقيل: منْ صَخْرَة بَيْتِ المَقْدِس وهي وسط الأرض. قال الكلبي: هي أَقرب الأَرض إلى السماء بثمانيةَ عَشَرَ ميلاً. انتهى انتهى {اللباب في علوم الكتاب} ...