والعمدة لنا ما قدمناه من أن الصحابة رضي الله عنهم ، لما انجلت الفتنة وارتفع الخلاف بالهدنة والصلح ، لم يعرضوا لأحد منهم في حكم.
قال ابن العربيّ: الذي عندي أن ذلك لا يصلح ؛ لأن الفتنة لما انجلت كان الإمام هو الباغي ، ولم يكن هناك من يعترضه والله أعلم.
العاشرة لا يجوز أن يُنسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به ، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عز وجل ، وهم كلهم لنا أئمة ، وقد تعبّدنا بالكف عما شجر بينهم ، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر ؛ لحرمة الصحبة ولنهي النبيّ صلى الله عليه وسلم عن سَبّهم ، وأن الله غفر لهم ، وأخبر بالرضا عنهم.
هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض ؛ فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصياناً لم يكن بالقتل فيه شهيداً.
وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيراً في الواجب عليه ؛ لأن الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة ، فوجب حمل أمرهم على ما بيّناه.
ومما يدلّ على ذلك ما قد صح وانتشر من أخبار عليّ بأن قاتل الزبير في النار.
وقولِه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"بشِّر قاتل ابن صفية بالنار"وإذا كان كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير غير عاصيين ولا آثمين بالقتال ؛ لأن ذلك لو كان كذلك لم يقل النبيّ صلى الله عليه وسلم في طلحة:"شهيد".
ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار.
وكذلك من قعد غير مخطئ في التأويل.
بل صواب أراهم الله الاجتهاد.
وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقَهم ، وإبطالَ فضائلهم وجهادهم ، وعظيمَ غنائهم في الدِّين ، رضي الله عنهم.
وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134] .