نَقُولُ نَعَمْ، وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْأَلْفَاظَ الْمُفْرَدَةَ الَّتِي يَقْرُبُ مِنْهَا الشُّغْلُ وَالْأَمْرُ وَالْفِعْلُ وَأَمْثَالُهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الْأَمْرِ، وَأَمَّا الْخَطْبُ فَهُوَ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ، وَعِظَمُ الشَّأْنِ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ مَنْ عَلَى يَدِهِ يَنْقَضِي، فَقَالَ: (فَما خَطْبُكُمْ) أَيْ لِعَظَمَتِكُمْ لَا تُرْسَلُونَ إِلَّا فِي عَظِيمٍ، وَلَوْ قَالَ بِلَفْظٍ مُرَكَّبٍ بِأَنْ يَقُولَ مَا شُغْلُكُمُ الْخَطِيرُ وَأَمْرُكُمُ الْعَظِيمُ لَلَزِمَ التَّطْوِيلُ، فَالْخَطْبُ أَفَادَ التَّعْظِيمَ مَعَ الْإِيجَازِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مَنْ أَيْنَ عُرِفَ كَوْنُهُمْ مُرْسَلِينَ؟
فَنَقُولُ قَالُوا لَهُ بِدَلِيلِ قوله تَعَالَى: (إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ) [هُودٍ: 70] وَإِنَّمَا لَمْ يذكر هاهنا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْحِكَايَةَ بِبَسْطِهَا مَذْكُورَةٌ فِي سُورَةِ هُودٍ، أَوْ نَقُولُ لَمَّا قَالُوا لِامْرَأَتِهِ (كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ) [الذاريات: 30] علم كونهم منزلين من عند لله حَيْثُ كَانُوا يَحْكُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى،
يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ قَوْلَهُمْ (إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) كَانَ جَوَابَ سُؤَالِهِ مِنْهُمْ.
(قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ(32)
هَذِهِ الْحِكَايَةُ بِعَيْنِهَا هِيَ الْمَحْكِيَّةُ في هود، وهناك (قالوا إِنَّا أُرْسِلْنا) [هود: 70] بعد ما زَالَ عَنْهُ الرَّوْعُ وَبَشَّرُوهُ، وَهُنَا قَالُوا (إِنَّا أُرْسِلْنا) بعد ما سَأَلَهُمْ عَنِ الْخَطْبِ، وَأَيْضًا قَالُوا هُنَاكَ (إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ) [هود: 70] وقالوا هاهنا (إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) وَالْحِكَايَةُ مِنْ قَوْلِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ وَرَدَ السُّؤَالُ أَيْضًا، فَنَقُولُ إِذًا قَالَ قَائِلٌ حَاكِيًا عَنْ زَيْدٍ: قَالَ زَيْدٌ عَمْرٌو خَرَجَ، ثُمَّ يَقُولُ مَرَّةً أُخْرَى: قَالَ زَيْدٌ إِنْ بَكْرًا خَرَجَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَدَرَ مِنْ زَيْدٍ قَوْلَانِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ حَاكِيًا مَا قَالَهُ زَيْدٌ؟