الْأُولَى: هِيَ أَنَّ الْهُجُوعَ رَاحَةٌ لَهُمْ، وَكَانَ الْمَقْصُودُ بَيَانَ اجْتِهَادِهِمْ وَتَحَمُّلِهِمُ السَّهَرَ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَوْ قَالَ كَانُوا يَهْجَعُونَ كَانَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا رَاحَتَهُمْ ثُمَّ يَصِفُهُ بِالْقِلَّةِ وَرُبَّمَا يَغْفُلُ الْإِنْسَانُ السَّامِعُ عَمَّا بَعْدَ الْكَلَامِ فَيَقُولُ إِحْسَانُهُمْ وَكَوْنُهُمْ مُحْسِنِينَ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ يَهْجَعُونَ وَإِذَا قَدَّمَ قَوْلَهُ (قَلِيلًا) يَكُونُ السَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ قِلَّةُ الْهُجُوعِ، وَهَذِهِ الْفَائِدَةُ مَنْ يُرَاعِيهَا يَقُولُ فُلَانٌ قَلِيلُ الْهُجُوعِ وَلَا يَقُولُ هُجُوعُهُ قَلِيلٌ، لِأَنَّ الْغَرَضَ بَيَانُ قِلَّةِ الْهُجُوعِ لَا بَيَانُ الْهُجُوعِ بِوَصْفِ الْقِلَّةِ أَوِ الْكَثْرَةِ، فَإِنَّ الْهُجُوعَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَانَ نَفْيُ الْقِلَّةِ أَوْلَى وَلَا كَذَلِكَ قِلَّةُ الْهُجُوعِ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَكَانَ بَدَلَهَا الْكَثْرَةُ فِي الظَّاهِرِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِي قوله تَعَالَى: (مِنَ اللَّيْلِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّوْمَ الْقَلِيلَ بِالنَّهَارِ قَدْ يُوجَدُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَأَمَّا اللَّيْلُ فَهُوَ زَمَانُ النَّوْمِ لَا يَسْهَرُهُ فِي الطَّاعَةِ إِلَّا مُتَعَبِّدٌ مُقْبِلٌ.
«فَإِنْ قِيلَ» : الْهُجُوعُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّيْلِ وَالنَّوْمُ نَهَارًا، لا يقال لَهُ الْهُجُوعُ؟
قُلْنَا ذِكْرُ الْأَمْرِ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ التَّخْصِيصِ حَسَنٌ فَنَقُولُ: رَأَيْتُ حَيَوَانًا نَاطِقًا فَصِيحًا، وَذِكْرُ الْخَاصِّ وَإِرَادَةُ الْعَامِّ لَا يَحْسُنُ إِلَّا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَلَا نَقُولُ رَأَيْتُ فَصِيحًا نَاطِقًا حَيَوَانًا؟
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ فِي قوله تَعَالَى: (كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ) ذَكَرَ أَمْرًا هُوَ كَالْعَامِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ: كَانُوا مِنَ اللَّيْلِ يُسَبِّحُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ أَوْ يَسْهَرُونَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَالَ يَهْجَعُونَ فَكَأَنَّهُ خَصَّصَ ذَلِكَ الْأَمْرَ الْعَامَّ الْمُحْتَمَلَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فلا إشكال فيه [1] .
[1] هذا الوجه ذكرناه بتصرف يسير. اهـ.