وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا مِمَّنْ يَقُولُونَ بِأَنَّ بَعْدَ الْمَوْتِ عَذَابًا فَلَوْ عَلِمْنَا شَيْئًا يَكْرَهُهُ الْمَيِّتُ يُبْدَى فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِكُمْ إِنَّا لَا نَنْسُبُ آبَاءَنَا بَعْدَ مَوْتِهِمْ إِلَى الضَّلَالِ، وَكَيْفَ وَأَنْتُمْ تَرْبِطُونَ الرَّكَائِبَ عَلَى قُبُورِ الأكابر، وأما في التوحيد فتقولون خالق السماوات وَالْأَرْضِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى لَا غَيْرُهُ ثُمَّ تَقُولُونَ هُوَ إِلَهُ الْآلِهَةِ وَتَرْجِعُونَ إِلَى الشِّرْكِ، وَأَمَّا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَقُولُونَ إِنَّهُ مَجْنُونٌ ثُمَّ تَقُولُونَ لَهُ إِنَّكَ تَغْلِبُنَا بِقُوَّةِ جَدَلِكَ، وَالْمَجْنُونُ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ الْمُنْتَظِمِ الْمُعْجِزِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ من الأمور المتناقضة.
(يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ(12)
«فَإِنْ قِيلَ» : الزَّمَانُ يُجْعَلُ ظَرْفَ الْأَفْعَالِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الزَّمَانُ ظرفا لظرف آخر، وهاهنا جُعِلَ (أَيَّانَ) ظَرْفَ الْيَوْمِ فَقَالَ: (أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ) وَيُقَالُ مَتَى يَقْدَمُ زَيْدٌ، فَيُقَالُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَا يُقَالُ مَتَى يَوْمُ الْجُمُعَةِ؟
فَالْجَوَابُ التَّقْدِيرُ مَتَى يَكُونُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَأَيَّانَ يَكُونُ يَوْمُ الدِّينِ، وَأَيَّانَ مِنَ الْمُرَكَّبَاتِ رُكِّبَ مِنْ أَيِّ الَّتِي يَقَعُ بِهَا الِاسْتِفْهَامُ وَ (آنَ) الَّتِي هِيَ الزَّمَانُ أَوْ مِنْ أَيْ وَأَوَانٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَيُّ أَوَانٍ فَلَمَّا رُكِّبَ بُنِيَ وَهَذَا مِنْهُمْ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ (وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ) فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا أَيَّانَ يَقَعُ اسْتِهْزَاءٌ وَتَرْكُ الْمَسْئُول فِي قوله (يَسْأَلُونَ) حَيْثُ لَمْ يَقُلْ يَسْأَلُونَ مَنْ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَرَضَهُمْ لَيْسَ الْجَوَابَ وَإِنَّمَا يَسْأَلُونَ اسْتِهْزَاءً.
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15)
وَفِيهِ مَسَائِلُ: