[مسألة]
وربما قيل ما معنى قوله تعالى (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) وفي الأشياء ما لا زوج له كالجمادات وغيرها. وجوابنا أنه لا شيء إلا وقد خلق الله تعالى ما يخالفه بعض المخالفة ليدل بذلك على قدرته ولتتكامل به نعمته وهذا كالذّكر والأنثى وكما نعلمه في الثمار والفواكه وكالليل والنهار وكالحجر الصلب والرخو من الأشياء وذلك
تنبيه من الله تعالى على عظم قدرته وانعامه فلذلك قال تعالى (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) فأما قوله تعالى (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) فلا يدل على أنه تعالى في مكان بل المراد الفرار إلى طاعته وعبادته والتخلص من عقابه فلذلك قال تعالى (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) فأما قوله جل وعز (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فدلالة على أنه تعالى أراد من جميعهم عبادته وأنه خلقهم لذلك لا كما يقوله المخالف من أنه أراد من المؤمنين الإيمان ومن الكافرين الكفر وأنه خلق بعضهم للنار وبعضهم للجنة وقد بينا أن قوله تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) لا يعارض ذلك لأن المراد ذرأناهم للعبادة لكن مصيرهم إلى جهنم من حيث لم يختاروها فهذه اللام لام العاقبة كقوله عز وجل (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) وقوله من بعد (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) فالمراد به وصفه بالاقتدار على الأمور لا أن المراد إثبات قوة له تعالى الله عن الحاجة علوّا كبيرا ولو كان المراد ظاهره لوجب مع قوته أن يوصف بالمتانة التي هي الصلابة وذلك من صفات الأجسام. انتهى انتهى. {تنزيه القرآن عن المطاعن / للقاضي عبد الجبار (المعتزلي) صـ 401 - 402} .