وذهب (أبو حنيفة ومالك) إلى أنه ليس له ذلك، فإذا أبطله وجب عليه القضاء.
أدلة المذهب الأول:
قالوا: هو تطوع، والمتطوع أمير نفسه، وإلزامه إياه مخرج عن وصف التطوع قال تعالى: {ما على المحسنين من سبيل} [التوبة: 91] .
وقالوا في جواب الاستدلال بالآية: المراد بذلك إبطال ثواب العمل المفروض. فنهي الرجل عن إحباط ثوابه، فأما ما كان نفلا فلا، لأنه ليس واجبا عليه.
واللفظ في الآية وإن كان عاما، فالعام يجوز تخصيصه، ووجه تخصيصه أن النفل تطوع والتطوع يقتضي تخييرا.
أدلة المذهب الثاني:
قوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} أفاد أن التحلل من التطوع بعد التلبس به لا يجوز لأن فيه إبطال العلم وقد نهى الله عنه.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أنا وحفصة صائمين فأهدي لنا طعام، فأكلنا منه فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت حفصة وبدرتني، وكانت بنت أبيها: يا رسول الله، إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه فقال:"اقضيا مكانه يوما".
وقالوا في جواب دليل المذهب الأول: المتطوع أمير نفسه، ولا سبيل عليه قبل أن يشرع أما إذا شرع فقد ألزم نفسه، وعقد عزمه على الفعل، فوجب أن يؤدي ما التزم وأن يوفي بما عقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] .
ثم اللفظ عام في الآية يشمل التطوع وغيره.
الحكم الثاني: قوله تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم} .
فيه دلالة على أنه لا يجوز طلب الصلح من المشركين، فأما إذا كان في الكفار قوة وكثرة بالنسبة إلى جمع المسلمين، ورأى الإمام المسلم في المهادنة، والمعاهدة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صده كفار قريش عن مكة ودعوة إلى الصلح ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين فأجابهم صلى الله عليه وسلم إلى ذلك.
فائدة: