وأما ما زعموا من حسن النظم وإعجاز الكلام فهو ظاهر وتأويلنا معدوم في تأويلهم لأن الآية وردت في بيان استحقاق الخالق للعبادة لانفراده بالخلق وإقامة الحجة على من يعبد ما لا يخلق وهم يخلقون فقال: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} أي من لا يخلق شيئا وهم يخلقون، وتدعون عبادة من خلقكم وأعمالكم التي تعملون ولو لم يضف خلق الأعمال إليه في الآية وقد نسبها إليهم بالمجاز لما قامت له حجة من نفس الكلام، لأنه كان يجعلهم خالقين لأعمالهم، وهو خالق لأجناس أخرى، فيشركهم معه في الخلق.
تعالى الله عن قول الزائغين، ولا ولعا لعثرات المبطلين، فما أدحض حجتهم، وما أوهى قواعد مذهبهم، وما أبين الحق لمن اتبعه.
جعلنا الله من أتباعه وحزبه.
وهذا الذي ذكرنا قاله أبو عبيد في قول حذيفة أن يخلق صانع الجرم وصنعته واستشهد بالآية وخالفه القتيبي في إصلاح الغلط فغلط أشد الغلط ووافق المعتزلة في تأويلها وإن لم يقل بقيلها.
هذا آخر كلام أبي القاسم.
ولقد بالغ في رد ما لا تحتمل الآية سواه، أو ما هو أولى بحملها وأليق بها.
ونحن وكل محق مساعدوه على أن الله خالق العباد وأعمالهم، وأن كل حركة في الكون فالله خالقها، وعلى صحة هذا المذهب أكثر من ألف دليل من القرآن الكريم والسنة والمعقول والفطر، ولكنه لا ينبغي أن تحمل الآية على غير معناها اللائق بها حرصا على جعلها عليهم حجة، ففي سائر الأدلة غنية عن ذلك.
على أنها حجة عليهم من وجه آخر مع كون (ما) بمعنى (الذي) سنبينه إن شاء الله تعالى
والكلام إن شاء الله تعالى في الآية في مقامين أحدهما في سلب دلالتها على مذهب القدرية.
والثاني في إثبات دلالتها على مذهب أهل الحق خلاف قولهم فهاهنا مقامان مقام إثبات ومقام سلب.
فأما مقام السلب فزعمت القدرية أن الآية حجة لهم في كونهم خالقين أعمالهم.
قالوا: لأن الله سبحانه أضاف الأعمال إليهم، وهذا يدل على أنهم هم المحدثون لها، وليس المراد هاهنا نفس الأعمال بل الأصنام المعمولة، فأخبر سبحانه أنه خالقهم وخالق تلك الأصنام التي عملوها والمراد مادتها وهي التي وقع الخلق عليها.
وأما صورتها وهي التي صارت بها أصناما فإنها بأعمالهم، وقد أضافها إليهم فتكون بأحداثهم وخلقهم.
فهذا وجه احتجاجهم بالآية.
وقابلهم بعض المثبتين للقدر وأن الله هو خالق أفعال العباد فقالوا: