ولو كانت مصدرية لكان الكلام إلى أن يكون حجة لهم أقرب من أن يكون حجة عليهم، إذ يكون المعنى أتعبدون ما تنحتون والله خلق عبادتكم لها؟
فأي معنى في هذا، وأي حجة عليهم.
والمقصود أنه كثيرا ما تدخل إحداهما على الأخرى ويحتملها الكلام سواء.
(فصل)
قال أبو القاسم السهيلي: اعلم أن ما إذا كانت موصولة بالفعل الذي لفظه عمل أو صنع أو فعل وذلك الفعل مضاف إلى فاعل غير الباري سبحانه فلا يصح وقوعها إلا على مصدر لإجماع العقلاء من الأنام في الجاهلية والإسلام على أن أفعال الآدميين لا تتعلق بالجواهر والأجسام لا تقول عملت جملا ولا صنعت جبلا ولا حديدا ولا حجرا ولا ترابا فإذا قلت: أعجبني ما عملت وما فعل زيد فإنما يعني الحدث.
فعلى هذا لا يصح في تأويل قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} إلا قول أهل السنة أن المعنى والله خلقكم وأعمالكم ولا يصح قول المعتزلة من جهة المنقول ولا من جهة المعقول لأنه زعموا أن ما واقعة على الحجارة التي كانوا ينحتونها أصناما وقالوا: تقدير الكلام خلقكم والأصنام التي تعملون إنكارا منهم أن تكون أعمالنا مخلوقة لله سبحانه واحتجوا بأن نظم الكلام يقتضي ما قالوا لأنه تقدم قوله: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} فـ (ما) واقعة على الحجارة المنحوتة، ولا يصح غير هذا من جهة النحو ولا من جهة المعنى.
أما النحو فقد تقدم أن (ما) لا تكون مع الفعل الخاص مصدرا.
وأما المعنى فإنهم لم يكونوا يعبدون النحت، وإنما كانوا يعبدون المنحوتات، فلما ثبت هذا وجب أن تكون الآية التي هي رد عليهم وتقييد لهم واقعة على الحجارة المنحوتة والأصنام المعبودة، ويكون التقدير: تعبدون حجارة منحوتة والله خلقكم وتلك الحجارة التي تعملون.
هذا كله معنى قول المعتزلة وشرح ما شبهوا به.
والنظم على تأويل أهل الحق أبدع والحجة أقطع، والذي ذهبوا إليه فاسد محال لأنهم أجمعوا معنا على أن أفعال العباد لا تقع على الجواهر والأجسام.
فإن قيل: فقد تقول عملت الصحيفة وصنعت الجفنة وكذلك الأجسام معمولة على هذا؟
قلنا: لا يتعلق الفعل فيما ذكرتم إلا بالصورة التي هل التأليف والتركيب وهي نفس العمل.
وأما الجوهر المؤلف المركب فليس بمعمول لنا، فقد رجع العمل والفعل إلى الأحداث دون الجواهر.
هذا إجماع منا ومنهم، فلا يصلح حملهم على غير ذلك.