وتأمل كلمة {إِذْ جَاءَ رَبَّهُ (84) } [الصافات] فهي توحي بأن سيدنا إبراهيم لم ينتظر إلى أن يأتي له رسول يدعوه، إنما أقبل على الله بنفسه، وجاء بفكره يبحث ويتأمل في ملكوت السماوات والأرض، إلى أن اهتدى إلى الله.
لذلك لما أراد الله تعالى أن يعرف نبيه إبراهيم، وأن يقدمه لمعشر الإيمان قال هذه البرقية الموجزة: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا. . (120) } [النحل]
تعلمون أن الحق سبحانه خلق المواهب ووزعها على الناس، فكل منا له موهبة في شيء ما، ذلك ليظل الناس مترابطين ترابط حاجة، فتحتاج لي وأحتاج لك، أما سيدنا إبراهيم فقد جمع وحاز كل
المواهب التي في أمة كاملة، فالمعنى {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً (120) } [النحل] يعني: حاز مواهب أمة.
لذلك استحق - عليه السلام - أن يريه الله ملكوت السماوات والأرض، فالناس جميعا يكتفون بعالم الملك، أما هو فقد تجاوز هذا العالم إلى عالم الملكوت، لماذا؟ لأنه جرد نفسه عن شبهة اليقين بأحد غير الله، بدليل أنه لما ألقى في النار وجاءه الملك يعرض عليه المساعدة: (ألك حاجة) ؟ فيقول سيدنا إبراهيم بما لديه من رصيد الإيمان واليقين بالله (أما إليك فلا) . يقولها في هذا الوقت العصيب، وهذا الكرب الملم.
وقوله سبحانه: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) } [الصافات] وهذه تعد من سلامة القلب، لأنه أحب شيئا وسعد به، فأراد أن ينقله إلى غيره وأولهم الأقارب، فهم أولى الناس بأن تعدي لهم خيرك؛ لذلك أول ما دعا إبراهيم دعا أباه وقومه: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) } [الصافات]