واستدل بقوله: {قل يحييها} على أن الحياة نحلها ، وهذا الاستدلال ظاهر.
ومن قال: إن الحياة لا تحلها ، قال: المراد بإحياء العظام: ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حسن حساس.
{وهو بكل خلق عليم} : يعلم كيفيات ما يخلق ، لا يتعاظمه شيء من المنشآت والمعدات جنساً ونوعاً ، دقة وجلالة.
{الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً} : ذكر ما هو أغرب من خلق الإنسان من النطفة ، وهو إبراز الشيء من ضده ، وذلك أبدع شيء ، وهو اقتداح النار من الشيء الأخضر.
ألا ترى أن الماء يطفى النار؟ ومع ذلك خرجت مما هو مشتمل على الماء.
والأعراب توري النار من الشجر الأخضر ، وأكثرها من المرخ والعفار.
وفي أمثالهم: في كل شيء نار ، واستمجد المرخ والعفار.
يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين ، وهما أخضران يقطر منهما الماء ، فيستحق المرخ وهو ذكر ، والعفار وهي أنثى ، ينقدح النار بإذن الله عز وجل.
وعن ابن عباس: ليس شجر إلا وفيه نار إلا العنا.
وقرأ الجمهور: الأخضر ؛ وقرئ: الخضراء ؛ وأهل الحجاز يؤنثون الجنس المميز واحده بالتاء ؛ وأهل نجد يذكرون ألفاظاً ، واستثنيت في كتب النحو.
ثم ذكر ما هو أبدع وأغرب من خلق الإنسان من نطفة ، ومن إعادة الموتى ، وهو إنشاء هذه المخلوقات العظيمة الغريبة من صرف العدم إلى الوجود ، فقال: {أوَليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} ؟ وقرأ الجمهور: بقادر ، بباء الجر داخلة على اسم الفاعل.
وقرأ الجحدري ، وابن أبي إسحاق ، والأعرج ، وسلام ، ويعقوب: يقدر ، فعلاً مضارعاً ، أي من قدر على خلق السماوات والأرض من عظم شأنهما ، كان على خلق الأناس قادراً ، والضمير في مثلهم عائد على الناس ، قاله الرماني.
وقال جماعة من المفسرين: عائد على السماوات والأرض ، وعاد الضمير عليهما كضمير من يعقل ، من حيث كانت متضمنة من يعقل من الملائكة والثقلين.