لو تظاهر الإنس والجن على أن يأتوا بما أداه من المعنى في ألفاظه أو مثلها على غير هذا النظم لم يقدروا ، وإذا تأملت كل بيت تمثل به فكسره لا تجده كسره إلا لمعنى جليل ، لا يتأتى مع الوزن أو يكون لا فرق بين أدائه موزوناً ومكسوراً ، وهكذا السجع سواء ، ومن هنا علم أنه ليس المعنى أنه لا يحسن الوزن ، بل المعنى أن تعمد الوزن والسجع نقيصة لا تليق بمنصبه العالي لأن الشاعر مقيد بوزن وروي وقافية ، فإن إطاعه المعنى مع ما هو مقيد به كان وإلا احتال في إتمام ما هو مقيد به وإن نقص المعنى ، والساجع قريب من ذلك ، فهذا هو الذي لم يعلمه الله له ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - تابع للمعاني والحقائق والحكم التي تفيد الحياة الدائمة ، لأنه مهيأ بالطبع المستقيم لذلك غير مهيأ لغيره من التكلف ، وإذا أنعمت النظر في آخر الآية الذي هو تعليل لما قبله تحققت أن هذا هو المراد ، فوضح أيّ وضوح بهذا أن كلاًّ منهما نقيصة ، فلا يتحرك شيء من أخلاقه الشريفة نحوها ، ولا يكون له بذلك شيء من الاعتناء ، وقد أشبعت الكلام في هذا وأتقنته في كتابي"مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور"وهو كالمدخل إلى هذا الكتاب - والله الموفق للصواب.