فقولة أولئك المحجوبين عن إدراك حكمة الله في الحياة: {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه؟} .. وتطاولهم على الداعين إلى الإنفاق بقولهم: {إن أنتم إلا في ضلال مبين} .. إن هو إلا الضلال المبين الحقيقي عن إدراك طبيعة سنن الله ، وإدراك حركة الحياة ، وضخامة هذه الحركة ، وعظمة الغاية التي تتنوع من أجلها المواهب والاستعدادات ، وتتوزع بسببها الأموال والأرزاق.
والإسلام يضع النظام الذي يضمن الفرص العادلة لكل فرد ، ثم يدع النشاط الإنساني المتنوع اللازم للخلافة في الأرض يجري مجراه النظيف. ثم يعالج الآثار السيئة بوسائله الواقية.
وأخيراً يجيء شكهم في الوعد ، واستهزاؤهم بالوعيد:
{ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟} ..
ووعد الله لا يستقدم لاستعجال البشر ؛ ولا يستأخر لرجائهم في تأخيره. فكل شيء عند الله بمقدار. وكل أمر مرهون بوقته المرسوم. إنما تقع الأمور في مواعيدها وفق حكمة الله الأزلية التي تضع كل شيء في مكانه ، وكل حادث في إبانه ، وتمضي في تصريف هذا الكون وما فيه ومن فيه وفق النظام المقدر المرسوم في إمام مبين.
أما الرد على هذا السؤال المنكر فيجيء في مشهد من مشاهد القيامة يرون فيه كيف يكون ، لا متى يكون..
{ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون. فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون. ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون. قالوا: يا ولينا! من بعثنا من مرقدنا؟ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} ..
يسأل المكذبون: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} .. فيكون الجواب مشهداً خاطفاً سريعاً.. صيحة تصعق كل حي ، وتنتهي بها الحياة والأحياء:
{ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون. فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون} ..