وتعرض كتاب الله لوصف هذه الحالة نفسها بالتفصيل في سورة الروم السابقة أيضا، فقال تعالى (54) : {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} ، وفي صحيح البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ ويقول:"أعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر"وقد استجاب الله دعاء رسوله فانتقل إلى الرفيق الأعلى وعمره لا يزيد عن ثلاثة وستين عاما. ثم قال تعالى تعقيبا على ذلك: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ، إشارة إلى أن الله الذي خلق الإنسان وقضى بتنكيسه في الخلق، بعد مروره بعدة أطوار، قادر على أن يفعل به ما يشاء من موت وبعث وحشر وحساب، ينتهي بالثواب أو العقاب.
وكأن الحق سبحانه وتعالى إنما منح الإنسان في"أفضل العمر"المزيد من القوى والملكات، على العكس من"أرذل العمر"، ليجعله في محك الاختبار، ويبرز كل ما في دخيلة نفسه من الطوايا والأسرار، حتى إذا ما حدد اختياره بمحض إرادته إصلاحا أو إفسادا، وقرر مصيره بنفسه إشقاء أو إسعادا، وأخذت قواه وملكاته في التراجع والنقصان، وأحس بالتخلف عن الحركة،
والعجز عن مسايرة الركبان، تولى الحق سبحانه وتعالى إعداده شيئا فشيئا لاستقبال الدار الآخرة، التي هي وحدها دار الخلود والإقامة، وهنالك ينال الإنسان ما هو أهل له عند ربه من المهانة أو الكرامة، {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} (37: 35) .