والمراد بقوله تعالى: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} ما ألهمه الله للبشر من بناء السفن الصغرى والكبرى لركوبهم لجج البحر، انطلاقا من سفينة نوح التي كانت بالنسبة للأوائل سفينة نموذجية، وفي هذه الآية تنبؤ صريح بما سيهتدي إليه الإنسان من بناء البواخر والبوارج التي تمخر البحار، وإيذان من الله بما سيظهر من طائرات الجو وسفن الفضاء، التي يمتطيها الإنسان في الليل والنهار، فهي وما شابهها تندرج كلها تحت قوله تعالى: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} ، والتعبير فيه بصيغة الماضي: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ} ، حق وصدق، لأن الله تعالى يعلم ما كان وما سيكون.
وبعد أن استعرض كتاب الله جملة من آيات الله في الآفاق والأنفس، عسى أن يهتدي بحكمتها الضالون، ويستيقظ بعظمتها الغافلون، عاد كتاب الله إلى وصف حياة هذا النوع من البشر، الذي استولى عليه الشك والخور، والقلق والضجر، فلم يعد يصغي بسمعه إلى أي مقال، وإذا عرض عليه الحق قابله بالإعراض واشتط في الجدال، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ، أي: إذا قيل لهم ذلك أعرضوا، {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} ، سواء كانت الآية من الآيات المبثوثة في الكون العظيم، أو من الآيات الواردة في الذكر الحكيم، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} ، أي: على الفقراء والمحتاجين {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} ، ناسين أن المال الذي بأيديهم هو مال الله، وإنما استخلفهم فيه، وفيه حق معلوم، للسائل والمحروم.