إلا أن طعونه كانت من وجهة نظر خاصة به ، لم ترق إلى درجة القدح في الصحيحين عند جمهور العلماء المدققين ، ولذلك جزم كل من أتى من بعدهما بصحة مافيهما ، وتلقتها الأمة بالقبول ، وأصبحا من أصح الكتب بعد القرآن الكريم .
وما من إمام تصدى للكلام على الصحيحين بشرح أو تعليق إلا ودافع عنهما ، وأبان وجه الضعف فيما وجه إليهما ، ومنهم من صنف في ذلك رسائل خاصة ، وقد عقد الإمام ابن الحجر العسقلاني في كتابه (هدي الساري) مقدمة شرحه لصحيح البخاري فصلين مطولين من (ص 246 إلى 465) ، أفاد فيهما وأجاد ، خصص الأول للكلام على الأحاديث انتقدها الدار قطني عليه ، والجواب عليهما ، والثاني للكلام على الرجال الذين انتقدوا عليه ، والجواب عليه ، وقد بين فيها أن ما وجه إلى الصحيحين لا يرقى إلى درجة الطعن فيهما ، وإنما هي أشياء لا وجه لها ، وقد بين ذلك أوضح بيان وأكمله ، فليرجع إليه من شاء ، وقال في مقدمة الفصل الثامن:"والجواب عنه على سبيل الإجمال أن تقول: لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ، ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل ، فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث وعنه أخذ البخاري ذلك ، حتى كان يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند ابن المديني ، ومع ذلك فكان علي بن المديني إذا بلغه ذلك عن البخاري يقول: دعوا قوله ، فإنه ما رأى مثل نفسه ."
وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري وقد استفاد منه الشيخان جميعاً
وروى الفربري عن البخاري قال: ما أدخلت في الصحيح حديثاً إلا بعد أن استخرت الله تعالى وتيقنت صحته .
وقال مكي بن عبد الله سمعت مسلم بن الحجاج يقول: عرضت كتابي هذا على أبي زرعه الرازي ، فكل ما أشار أن له علة تركته .