إنَّ من البديهي عند كل من شم شذا من رائحة العلم أن البخاري ومسلماً لما يجمعا كل الصحيح ، ولا أكثره ، بل ما فاتهما من الصحيح أكثر مما جمعاه ، وهذا شيء ذكر في متون الكتب الصغيرة علاوة عن الشروح والكتب الكبيرة ، فهو مما لا يفوت طالب العلم مهما صغر شأنه ، وأظن أن الذي أوقع الدكتور الفنجرى بهذا الادعاء هو عدم فهمه لمراد جمهور العلماء الذين أشار إليهم ، فهم يقولون: إذا ورد الحديث في الصحيحين - وقد أجمعت الأمة على صحة ما فيهما - فلا داعي للإشارة إلى من خرجه من أصحاب الكتب الأخرى ، لاسيما إذا كان الباحث فقيهاً ، فغاية مراد الفقيه الوقوف على الصحة في الحديث ، وهذا تحصل بالوقوف عليه في الصحيحين ، فلا حاجة لسرد أسماء من أخرجه من أصحاب الكتب الأخرى ، وليس مرادهم أبداً أن الباحث منهم يكتفي بالبحث في الصحيحين فقط ، دون غيرهما ، فإن عثر على الحديث عمل بمقتضاه ، وإلاّ توقف أو عدل إلى أدلة الشرع الأخرى.
وإن مما هو معلوم لدى الكبير والصغير من أهل العلم أن العالم لا يجوز له أن يعدل إلى دليل غير القرآن والسنة إلا بعد أن يفرغ جهده في البحث والتنقيب فيهما ، فيبحث عن الحديث في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث مهما وصل إلى سمعه وعلمه كتاب صنف فيه ؟ فان لم يجد فعند ذلك يجتهد..
واليك ما قاله الإمام العراقي في كتابه: تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد (1 / 81) ، قال:"ولفظ الحديث الذي أورده في هذا المختصر هو لمن ذكر الإسناد إليه من الموطأ ومسند احمد".
فإن كان الحديث في الصحيحين لم أعزه لأحد ، وكان ذلك علامة كونه متفقا عليه.
وإن كان في أحدهما اقتصرت على عزوه إليه.
وان لم يكن في واحد من الصحيحين إلى من خرجه من أصحاب السنن الأربعة وغيرهم". أهـ . كلام العراقي ."
فهو لم يرد قط من الاكتفاء بالغزو إلى الصحيحين الاكتفاء يهما دون الالتفات إلى غيرهما ، كما أنه لم يعن هذا عالم من علماء المسلمين قط علاوة عن جمهورهم .