ولذلك اتفقوا على عدم العمل بمفهوم هذا الحديث ، لأنه لم يتخلف فيه شرط واحد من شروط العمل بمفهوم المخالفة ، وإنما تخلف فيه ثلاثة شروط من شروطه ، ولذلك لم يعملوا به اتفاقا .
وهذه الشروط هي:
أن لا يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به ، وذلك كقوله تعالى: فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ {الإسراء / 23} فإنه لا يفهم منه جواز الضرب لأن الضرب المسكوت عنه أولى بالحرمة من التأفيف المنطوق به .
أن لا يكون المسكوت عنه ترك لخوف ، فإن كان كذلك ، لم يعمل بالمفهوم ، وذلك كقول رجل حديث عهد بالإسلام ، لوكيله ، بحضور المسلمين: تصدق بهذا المال على المسلمين ، وهو يريد المسلمين وغيرهم من المحتاجين ، إلا أنه سكت عنهم خوفا من أن يتهم بالنفاق . فإذا قامت القرينة على أنه إنما سكت عن المعنى المفهوم خوفا ، عُطل العمل به .
أن لا يكون المسكوت عنه ترك للجهل به ، كمن قال: النفقة واجبة للأصول والفروع ، وهو يجهل حكم النفقة على الأطراف ، فإنه لا يعمل بالمفهوم هنا ، فلا يحكم بأن النفقة للأطراف ليست واجبة . لأنه يجهل حكمها ، فسكوته عنها ، لا لأن النفقة غير واجبة ، وإنما لعدم علمه بها ، ولذلك تعطل العمل بالمفهوم .
أن لا يكون المنطوق خرج مخرج الغالب ، فإن كان كذلك ، تعطل العمل به ، وذلك كقوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم {النساء / 23} فإن مفهوم هذا النص أن الربيبة إذا لم تكن في حجر زوج الأم ، جاز نكاحها ، إلا أن هذا المفهوم غير مراد ، والعمل به معطل ، لأن الحكم خرج مخرج الغالب ، إذ غالبا ما تكون الربيبة في حجر الزوج مع أمها ، ولذلك قيد بها ، وليس المراد نفي الحكم عن الربيبة التي لا تكون في الحجر .