ونحن حينما نقول اتفق الأئمة الأربعة وأتباعهم لا نعني بذلك عدة رجال ، وإنما نعني به الآلاف المؤلفة من عظماء أمتنا ، من المفسرين ، والمحدثين ، والفقهاء ، والأصوليين والمناطقة ، واللغويين ، وغيرهم ، ممن ملأت تراجم مئآت المجلدات من كتب التاريخ ، وإنما أريد فيما أقوله أن أبين لك خطأ استدلالك بهذا الحديث ، على ما ذهبت إليه من الفهم ، من أن القضاء يجب على من ترك الصلاة سهوا أو نسيانا ، لا على من تركها عمدا ، لأبين لك أن الخطأ ليس في فهم الفقهاء ، إنما هو في فهمك الخاطئ لهذا الحديث .
يا هذا لقد استدللت بمنطوق الحديث على وجوب القضاء على النائم والناسي ، وهذا لا غبار عليه .
واستدللت بمفهومه على عدم وجوب القضاء على من سواهما ، وهذا هو الخطأ الذي وقعت فيه .
وذلك لما يلي:
إن الاستدلال بمفهوم المخالفة استدلال مهزوز ضعيف ، وقع فيه نزاع كبير بين الأصوليين .
فقد أنكره الحنفية ، والقاضي أبو بكر الباقلاني من المالكية ، والقفال ، والقاضي أبو حامد المروزي ، والغزالي في كتابه"المستصفى"دون"المنخول"والآمدي ، والإمام الرازي في كتابيه"المنتخب"و"المحصول"من أصحابنا الشافعيين ، والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري من المعتزلة.
والقائلون بالمفهوم لم يقولوا به في كل مفهوم ، إذ اتفقوا تقريبا على عدم الاحتجاج بمفهوم اللقب .
وأما بقية المفاهيم من مفهوم الصفة ، والشرط ، والغاية ، والعدد ، والحال ، والزمان ، والمكان ، وغيرها فقد وقع فيها خلاف ، ولبعضهم فيها شروط وقيود وضوابط ، لا أريد الاستطراد في شرحها ، فليس هذا مكانها ، وإنما يرجع إليها في كتب الأصول .
كما اتفق القائلون بمفهوم المخالفة على أنه لا يحتج بمفهوم المخالفة إلا إذا توفرت فيه ستة شروط ، فإذا انتفى واحد من هذه الشروط الستة فإنهم يعطلون العمل بمفهوم المخالفة .