وكذلك لم يعملوا بمفهوم قوله تعالى: لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً {آل عمران / 130} لأن ذكر الضعف خرج مخرج الغالب ، أو العادة الجارية التي كانت متعارفا عليها ، لا من أجل نفي الحرمة عن الربا اليسير ، وإن كان مفهوما من الكلام لكل عاقل .
أن لا يكون المذكور بالحكم خرج جوابا لحادثة أو واقعة معينة وذلك كنهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الرطب بالتمر ، فمفهومه أنه يجوز أن يباع الرطب بالرطب ، ولكن هذا المفهوم غير مراد ، لأن الكلام خرج جوابا لحادثة وسؤال معين ، فهو يدور مع السؤال في عمومه وخصوصه ، ولا يراد منه أبدا نفي الحكم عما سوى المذكور .
أن لا يكون المذكور خرج مخرج الواقع ، فإن كان كذلك لم يعمل بالمفهوم ، وذلك كقوله تعالى:"لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ" {آل عمران / 28} فإن مفهوم هذه الآية أنه تجوز موالاة الكافرين مع المؤمنين ، وإنما النهي عن موالاتهم منفردين دون المؤمنين .
إلا أن هذا المفهوم غير مراد والآية لم تنزل لبيان هذا المفهوم ، وإنما نزلت في واقعة معينة ، في قوم وَالَوْا الكافرين دون المؤمنين ، فنهوا عن ذلك ، فالحكم أريد به بيان الواقع ، لا نفي الحكم عن غيره .
وأنا لا أريد أن أستطرد في ذكر الأمثلة ، فكتاب الله وسنة رسول لله صلى الله عليه وآله وسلممليئان بها ، وإنما ذكرت ما ذكرت تمهيداً لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"
فقد قال العلماء فيه ما قيل في الأمثلة التي ذكرتها وعطل فيها العمل بالمفهوم ، فقالوا: هذا الحديث يعطل العمل بمفهومه ، لأن المسكوت عنه ، وهو ترك الصلاة عمداً ، أولى من المنطوق به وهو ترك الصلاة سهواً أو نسياناً .