ودار الزمان دورته ، ودب شيء من يقظة الفكر الإسلامي في صف كثير من أبناء الأمة ، شيباً وشباناً ، رجالاً ونساءً ، وتعالت الهتافات تدعو إلى عودة الإسلام لقيادة الأمة ، بعد أن عصفت بها أعاصير التيارات المادية الملحدة في مهاوي الضياع إذ ظهر لكل عين عوار كل ما نودي به من المبادئ ، والأفكار ، والنظم ، ولكن هذه اليقظة التي دبت في أبناء الأمة كانت متأخرة شيئاً ما ، فقدت الأمة فيه كثيراً من أساطين دعوتها ، ودعامة دينها ، من العلماء ورثة الأنبياء ، الذين كان من المفترض أن يتزعموا هذه اليقظة ، ليقودوا الأمة بما ورثوه من العلم ، وشرفوا به من الفضل .
وما تبقى من آثار النبوة في العلماء العاملين كان غير كاف لهذه الزعامة والقيادة ، مما جعل كثيراً ممن لا صلة له بعلوم الشرع _ أو كانت صلته بها سطحية غير كافية للخوض في العلوم الشرعية _ يتبوأ مناصب القيادة في الجيل الناشئ ، ويخوض في دين الله على غير بصيرة ، فيحل الحرام ويحرم الحلال زعما منه أن منصب القيادة الذي وصل إليه يصيره في منصب العالم المجتهد..؟!
وبدأت الفتاوى الآثمة المضللة تنتشر في أوساط الأمة بهذا الطريق ، ومن ثم بدأت تضطرب وتتناقض ، لأنها لم تستند إلى قاعدة العلم ، وإنما كانت من إيحاءات الجهل ، مما أوقع الأمة في تناقض مهين ، واضطراب خطير ، زاد في ضياعها ، بدلاً من أن يكون عاملاً من عوامل يقظتها ونهضتها .
وبهذا تحقق عَلَمٌ من أعلام النبوة ، إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء ، وإنما يقبض العلماء ، فبقبضهم يقبض العلم ، حتى إذا لم يَبْقِ عالما اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغيرِ علم ، فضلوا وأضلوا ) ).
وانقلب هذا الواقع الخطير إلى تيار ومنهج ، وانقلبت معه الدعوة لإعادة تحكيم الإسلام - عند أرباب هذا المنهج - إلى دعوة للثورة على ما تبقى من آثار الإسلام .