تعالى أخفى ثلاثة في ثلاثة، وليه في عباده، ورضاه في طاعته، وغضبه في معصيته، مع أن احتقار عباد الله مجرد خسران يورث الذل لفاعله.
وفي خبر للحارث بن معاوية: أنه سأل عمر عن القصص، وأن عمر قال له أخشى عليك أن تقص فترتفع في نفسك، ثم تقص فترتفع في نفسك، حتى يخيل إليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا فيضك الله تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك. رواه الإمام أحمد، والحارث ابن معاوية وثقه ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح.
ومن الأخلاق المرضية دوام التوبة، والإخلاص، واليقين، والتقوى، والصبر، والرضى، والقناعة، والزهد، والتوكل، والتفويض، وسلامة الباطن، وحسن الظن، والتجاوز، وحسن الخلق، ورؤية الإحسان، وشكر النعمة، والشفقة على خلق الله والحياء من الله ومن الناس. ومحبة الله تعالى هي الخصلة الجامعة لمحاسن الصفات. وإنما يتحقق بمتابعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (قل أن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) .
العاشر:
دوام الحرص على الازدياد بملازمة الجد والاجتهاد؛ والمواظبة على وظائف الأوراد عبادة وقراءة وافرة ومطالعة وفكراً وتعليقاً وحفظاً، وتصنيفاً وبحثاً ولا يضيع شيئاً من أوقات عمره في غير ما هو بصدده من العلم والعمل إلا بقدر الضرورة من أكل، أو شرب، أو نوم، أو استراحة لملل، أو أداء حق زوجة، أو زائر، أو تحصيل قوت وغيره، مما يحتاج إليه أولاده أو غيره، مما يتعذر معه الاشتغال، فإن بقية عمر المؤمن لا قيمة لها. ومن استوى يوماه فهو مغبون.
وقال المزني سمعت الشافعي يقول: سُئل بعض السلف، ما بلغ من اشتغالك بالعلم؟ قال: هو سلوتي إذا اهتممت، ولذتي إذا سلوت. قال: وأنشدني الشافعي لنفسه:
وما أنا بالغيران من دون أهله ... إذا أنا لم أضح غيوراً على علمي
طبيب فؤادي مذ ثلاثين حجة ... وصيقل ذهني والمفرج عن همي
وكان بعضهم لا يترك الاشتغال لعروض مرض خفيف، وألم لطيف، بل كان يستشفي بالعلم ويشتغل بقدر الإمكان. وذلك لأن درجة العلم درجة وراثة الأنبياء، ولا تنال المعالي إلا بشق الأنفس. وفي صحيح مسلم عن يحيى بن أبي كثير، قال: لا يستطاع العلم براحة الجسم، وفي الحديث: جفت الجنة بالمكاره وقد قيل: