وقال الفراء: الكلام على التقديم والتأخير أي سود غرابيب، وقيل ليس هناك مؤكد ولا موصوف محذوف وإنما {غرابيب} معطوف على {الجبال جُدَدٌ} أو على بيض من أول الأمر و {سُودٌ} بدل منه، قال في"البحر": وهذا حسن ويحسنه كون غربيب لم يلزم فيه أن يستعمل تأكيداً، ومنه ما جاء في الحديث إن الله تعالى يبغض الشيخ الغربيب وهو الذي يخضب بالسواد، وفسره ابن الأثير بالذي لا يشيب أي لسفاهته أو لعدم اهتمامه بأمر آخرته، وحكي ما في"البحر"بصيغة قيل، وقول الشاعر:
العين طامحة واليد شامخة ...
والرجل لائحة والوجه غربيب
{وَمِنَ الناس والدواب والأنعام مُخْتَلِفٌ ألوانه} أي ومنهم بعض مختلف ألوانه أو بعضهم مختلف ألوانه على ما ذكروا في قوله تعالى: {وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله} [البقرة: 8] والجملة عطف على الجملة التي قبلها وحكمها حكمها.
وفي إرشاد العقل السليم أن إيراد الجملتين اسميتين مع مشاركتهما لما قبلهما من الجملة الفعلية في الاستشهاد بمضمونها على تباين الناس في الأحوال الباطنة لما أن اختلاف الجبال والناس والدواب والأنعام فيما ذكر من الألوان أمر مستمر فعبر عنه بما يدل على الاستمرار وأما إخراج الثمرات المختلفة فحيث كان أمراً حادثاً عبر عنه بما يدل على الحدوث ثم لما كان فيه نوع خفاء علق به الرؤية بطريق الاستفهام التقريري المنبئ عن الحمل عليها والترغيب فيهاب خلاف أحوال الجبال والناس وغيرهما فإنها مشاهدة غنية عن التأمل فلذلك جردت عن التعليق بالرؤية فتدبر اه، وما ذكره من أمر تعليق الرؤية مخالف لما في"البحر"حيث قال: وهذا استفهام تقرير ولا يكون إلا في الشيء الظاهر جداً فتأمل.
وقرأ الزهري {والدواب} بتخفيف الباء مبالغة في الهرب من التقاء الساكنين كما همز بعضهم {وَلاَ الضالين} لذلك.