{ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُواْ السُّوأَى} [الروم: 10] أي: عاقبة أمر الفلاسفة الذين هم مكذبوا الأنبياء لما أساءوا بتكذيب الأنبياء بأن صاروا أئمة الكفرة وصنعوا الكتب في الكفر وأوردوا فيها الشبهات على بطلان ما جاء به الأنبياء من الشرائع والتوحيد وسمو الحكمة وسمو أنفسهم الحكماء فالآن بعض المتعلمين من الفقهاء، إما لوفور حرصهم على العلم والحكمة، وإما لخباثة الجوهر، وليتخلصوا من تكاليف الشرع، يطالعون تلك الكتب ويتعلمونها، وبتلك الشبهات التي درسوا بها كتبهم يهلكون في أودية الشكوك ويقعون في الكفر.
وهذه الآفة وقعت في الإسلام من المتقدمين والمتأخرين منهم، فكم من مؤمن عالم فسدت عقيدتهم بهذه الآفة وأخرجوا ربقة الإسلام من عنقهم فصاروا من جملتهم، ودخلوا في زمرتهم داخل هذه الآفة يبقى في هذه الأمة إلى قيام الساعة فإن كل يوم يزدادون ويقل طلبة علوم الدين من التفسير والأحاديث والمذهب، ويكثر طلبة علوم الفلسفة والزندقة ويسمونها الأصول والكلام.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه:"من تكلم تزندق"ثم وبال هذه الجملة إلى قيام الساعة يكتب في ديوان من سن هذه السنة السيئة ومن أوزار من عمل من غير أن ينقص من أوزارهم شيء على أن كذبوا بآيات الله بالقرآن واستهزءوا بها وسموا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أصحاب النواميس وسموا الشرائع الناموس الأكبر عليهم لعائن الله تترى.
وبقول: {اللَّهُ يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الروم: 11] يشير إلى أنه تعالى كما بدأ روح الإنشاء ورده إلى أسفل سافلين القالب، ثم يعيده بطريق السير والسلوك على المعاملات والمنازل التي أنزل عليها إلى عالم الأرواح ثم بجذبة ارجعي إليه ترجعون.