(1 - نلاحظ أنّ الآية الأولى في المقطع الذي مرّ معنا متصلة المعنى بالآية التي قبل الأخيرة من المقطع السابق عليه. فالآية قبل الأخيرة من ذلك المقطع هي:
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ
بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ثم تأتي آية: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ.
ثم جاء قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ... إن الصلة بين هذه الآية وتلك واضحة. فالمعنى واحد، ولكن سيق المعنى هناك للتدليل على وجود الله، وسيق هنا للتذكير باليوم الآخر، ولكن لم وجدت الآية الوسطى بينهما؟
إنّ الآيتين تضيئان على الآية التي جاءت بينهما. فنفهم من ذلك أنّه كما أن المطر تسبقه رياح مبشرات - وقد يأتي بعد احتباس - فكذلك نصر الله يأتي بعد ترقب واحتباس.
وإذ أخذ الله على اليائسين من رحمته يأسهم في موضوع المطر، فقد أعطى الله درسا للمؤمنين بألا ييأسوا من النّصر دون أن يخاطبهم بذلك مباشرة. وعلى هذا فما ذكره الله عزّ وجل في سورة البقرة حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (البقرة: 214) صراحة قد ذكّر الله به المؤمنين هنا بشكل ضمني. ومما مر نعلم أن بين بداية المقطع الثالث ونهاية المقطع الثاني صلة واضحة.