ووجه مطابقة جوابها سؤاله أنه سألهما عن سبب الذود فقالتا: السبب في ذلك أنا أمرأتان مستورتان ضعيفتان لا نقدر على مزاحمة الرجال ونستحي من الاختلاط بهم فلا بدلنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا.
وإنما رضي شعيب عليه السلام لابنتيه بسقي الماشية لأن هذا الأمر في نفسه ليس بمحظور والدين لا يأباه ، وأما المروءة فعادات الناس في ذلك متباينة وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم ، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر خصوصاً إذا كانت الحالة حالة ضرورة.
{ثُمَّ تولى إِلَى الظل} أي ظل سمرة ، وفيه دليل جواز الاستراحة في الدنيا بخلاف ما يقوله بعض المتقشفة ولما طال البلاء عليه أنس بالشكوى إذ لا نقص في الشكوى إلى المولى {فَقَالَ رَبّ إِنّى لِمَا} لأي شيء {أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ} قليل أو كثير غثٍ أو سمين {فَقِيرٌ} محتاج ، وعدي {فقير} باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب.
قيل: كان لم يذق طعاماً سبعة أيام وقد لصق بظهره بطنه.
ويحتمل أن يريد أني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إلي من خير الدارين وهو النجاة من الظالمين لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة ، قال ذلك رضاً بالبدل السني وفرحاً به وشكراً له.
وقال ابن عطاء: نظر من العبودية إلى الربوبية وتكلم بلسان الافتقار لما ورد على سره من الأنوار
{فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى استحياء قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} على استحياء في موضع الحال أي مستحية ، وهذا دليل كمال إيمانها وشرف عنصرها لأنها كانت تدعوه إلى ضيافتها ولم تعلم أيجيبها أم لا ، فأتته مستحية قد استترت بكم درعها ، و"ما"في {ما سقيت} مصدرية أي جزاء سقيك.
روي أنهما ما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفّل قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا.