قال ابن عباس رضي الله عنهما: خرج ولم يكن له علم بالطريق إلا حسن الظن بربه {قَالَ عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء السبيل} أي وسطه ومعظم نهجه فجاءه ملك فانطلق به إلى مدين
{وَلَمَّا وَرَدَ} وصل {مَاء مَدْيَنَ} ماءهم الذي يسقون منه وكان بئراً {وَجَدَ عَلَيْهِ} على جانب البئر {أُمَّةً} جماعة كثيرة {مِنَ الناس} من أناس مختلفين {يُسْقَوْنَ} مواشيهم {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ} في مكان أسفل من مكانهم {أمرأتين تَذُودَانِ} تطردان غنمهما عن الماء لأن على الماء من هو أقوى منهما فلا تتمكنان من السقي أو لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم ، والذود الطرد والدفع {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا} ما شأنكما وحقيقته ما مخطوبكما أي ما مطلوبكما من الذياد فسمي المخطوب خطباً {قَالَتَا لاَ نَسْقِى} غنمنا {حتى يُصْدِرَ الرعاء} مواشيهم {يصدر} شامي ويزيد وأبو عمرو أي يرجع والرعاء جمع راعٍ كقائم وقيام {وَأَبُونَا شَيْخٌ} لا يمكنه سقي الأغنام {كَبِيرٌ} في حاله أو في السن لا يقدر على رعي الغنم ، أبدتا إليه عذرهما في توليهما السقي بأنفسهما.
{فسقى لَهُمَا} فسقى غنمهما لأجلهما رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف.
روي أنه نحى القوم عن رأس البئر وسألهم دلواً فأعطوه دلوهم وقالوا: استق بها وكانت لا ينزعها إلا أربعون فاستقى بها وصبها في الحوض ودعا بالبركة.
وترك المفعول في {يسقون} و {تذودان} و {لا نسقي} و {فسقى} لأن الغرض هو الفعل لا المعفول ، ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي ، ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل مثلاً ، وكذا في {لا نسقي} و {فسقى} فالمقصود هو السقي لا المسقى.