فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي فتبعها موسى عليه السلام فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق {فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص} أي قصته وأحواله مع فرعون ، والقصص مصدر كالعلل سمي به المقصوص {قَالَ} له {لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين} إذ لا سلطان لفرعون بأرضنا ، وفيه دليل جواز العمل بخبر الواحد ولو عبداً أو أنثى والمشي مع الأجنبية مع ذلك الاحتياط والتورع.
وأما أخذ الأجر على البر والمعروف فقيل: إنه لا بأس به عند الحاجة كما كان لموسى عليه السلام ، على أنه روي أنها لما قالت {ليجزيك} كره ذلك وإنما أجابها لئلا يخيب قصدها لأن للقاصد حرمة.
ولما وضع شعيب الطعام بين يديه امتنع فقال شعيب: ألست جائعاً؟ قال: بلى ولكن أخاف أن يكون عوضاً مما سقيت لهما وإنا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا ولا نأخذ على المعروف ثمناً.
فقال شعيب عليه السلام: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا فأكل.
{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استجره} اتخذه أجيراً لرعي الغنم.
رُوي أن كبراهما كانت تسمى صفراء والصغرى صفيراء ، وصفراء هي التي ذهبت به وطلبت إلى أبيها أن يستأجره وهي التي تزوجها {إِنَّ خَيْرَ مَنِ استجرت القوى الأمين} فقال: وما علمك بقوته وأمانته؟ فذكرت نزع الدلو وأمرها بالمشي خلفه.
وورد الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أن أمانته وقوته أمران متحققان.
وقولها {إن خير من استأجرت القوي الأمين} كلام جامع لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك ، وقيل: القوي في دينه الأمين في جوارحه.
وقد استغنت بهذا لكلام الجاري مجرى المثل عن أن تقول استأجره لقوته وأمانته.