وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا بَلَغَتْ الصَّغِيرَةُ فَلَا يُزَوِّجُهَا أَحَدٌ إلَّا بِرِضَاهَا ؛ لِأَنَّهَا بَلَغَتْ حَدَّ التَّكْلِيفِ ؛ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا إذْنَ لَهَا ، وَلَا رِضَاءَ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ.
وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: {الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا} وَفِي رِوَايَةٍ: {الْأَيِّمُ وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا} .
فَقَوْلُهُ:"الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا"دَلِيلٌ قَوِيٌّ فِي الْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِي كَوْنِ الْمَرْأَةِ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا كَوْنَهَا أَيِّمًا ؛ وَذَلِكَ لِاخْتِيَارِهَا مَقَاصِدَ فِي النِّكَاحِ.
وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَتَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِكُلِّ فَائِدَةٍ وَلَطِيفَةٍ.
وَاحْتِجَاجُ مَالِكٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعَوِّلُ عَلَى الإسرائليات ، وَفِيهَا أَنَّهُمَا كَانَتَا بِكْرَيْنِ ، وَبَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ.
وَرُبَّمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَنَاتِ تَرْكُ النِّكَاحِ ، حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُنَّ مُتَزَوِّجَاتٌ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ النِّسَاءِ النِّكَاحُ ، وَمَتَى اجْتَمَعَ أَصْلٌ وَظَاهِرٌ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ.