وقوله: (وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) : كانت تعلم هي - واللَّه أعلم - أن وعد الله حق كائن لا محالة، لكن علم خبر لا علم عيان ومشاهدة؛ كأنه قال: لتعلم علم عيان ومشاهدة ما علمت علم خبر؛ لأن علم العيان والمشاهدة أكبر وأبلغ وأتقى للشبهة من علم الإخبار؛ ألا ترى أن إبراهيم سأل ربه أن يريه إحياء الموتى، وإن كان يعلم حقيقة أنه يحيي الموتى، وأنه قادر على ذلك، لكنه كان يعلمه علم خبر فأحب أن يعلمه علم عيان ومشاهدة؛ لأنه أكبر وأبلغ وأدفع للوساوس من علم الإخبار؟! فعلى ذلك هذا.
وقوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) : والمعتزلة فيهم؛ لأنه أخبر أنه يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين؛ حيث قال: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) ، وهم يقولون: أراد ألَّا يملأ جهنم؛ لأنهم يقولون: إنه أراد إيمان كل الناس جميعًا وشاء ذلك لهم فلم يؤمنوا، فعلى
قولهم: إذا شاء ذلك لهم شاء ألا يملأ جهنم منهم، فذلك خلف في الوعد وكذب في القول على قولهم.
وقوله: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى) : قال بعض أهل التأويل: الأشد: هو ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، ثم هو ما بين الثلاثين إلى الأربعين استواء الشدة، ثم يأخذ بعد الأربعين في النقصان، ثم غير بعمره إلا أربعين سنة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: بلغ أشده: ثلاث وثلاثون سنة واستوى: أربعون، وعن ابن عَبَّاسٍ مثله.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: بلغ أشده قال: الأشد: الحلم، والاستواء: أربعون سنة.
وأصل الأشد: أن يشتد كل شيء منه، وصار يحتمل ما قصد به وجعل فيه، ويدخل في ذلك العقل وكل شيء.
واستوى: أي استوى ذلك واستحكم، وصار بحيث يحتمل ذلك.
وجائز أن يكون الاستواء هو الأشد الذي ذكره.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: واستوى: أي استحكم وانتهى شبابه واستقر، فلم يكن فيه زيادة، وأصله ما ذكرنا، واللَّه أعلم.