قُصِّيهِ اقتفي أثره وتتبعي خبره حتى تعلمي مصيره. فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ أي أبصرته عن بعد اختلاسا. وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ لا يدرون أنها أخته وأنها ترقبه. وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ قبل رده إلى أمه، أي منعناه أن يرتضع من المرضعات، فلم يقبل ثدي واحدة من المراضع المحضرة له. فَقالَتْ أخته. هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ أي يتكفلون أو يضمنون إرضاعه والقيام بشؤونه لأجلكم. وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ لا يقصرون في إرضاعه وتربيته.
كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائه. وَلا تَحْزَنَ حينئذ بفراقه. وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ لتعلم علم مشاهدة أن وعد الله برده إليها صدق. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي ولكن أكثر الناس لا يعلمون بهذا الوعد، ولا بأن هذه أخته وهذه أمه، فمكث عندها إلى أن فطمته، ثم تربى عند فرعون.
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ غاية نموه، وهو مفرد جاء على وزن الجمع، وبلوغ الأشد: من ثلاثين إلى أربعين سنة، فإن العقل يكمل حينئذ. وَاسْتَوى اكتملت أو نضجت قواه الجسدية والعقلية
ببلوغ أربعين سنة. آتَيْناهُ حُكْماً حكمة أي معرفة أسرار الشريعة. وَعِلْماً فقها في الدين.
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي كما جزيناه نجزي المحسنين لأنفسهم.
التفسير والبيان:
بعد بيان منة الله على بني إسرائيل بإنقاذهم من بأس فرعون في قوله تعالى:
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ابتدأ تعالى بذكر أوائل نعمه عليهم فقال: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ أي وألهمنا أم موسى إرضاعه ما أمكنها إخفاؤه عن العدو، فأرضعته ثلاثة أو أربعة أشهر كما يقال.
فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ، فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ، وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي أي فإذا خفت عليه من القتل بسبب سماع أحد من الجيران صوته، فألقيه في بحر النيل، ولكن لا تخافي عليه حينئذ من الغرق ومن الضياع ومن الوقوع في يد بعض جواسيس فرعون الذين يبحثون عن الولدان، وغير ذلك من المخاوف، ولا تحزني لفراقه.