ويُسأَل عن قوله: (لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ) ، وإنما العصبة هي التي تنوء بها؟
والجواب: أنه يقال: نؤت بالحمل، وأنأت غيري، ونؤت بغيري، كما تقول ذهبت وأذهبت غيري
وذهبت به فالباء والهمزة تتعاقبان في تعدي الفعل، ولهذا لا يجوز أن يجمع بينهما لا تقول:
أدخل بزيد الدار، ولكن: أدخل زيداً الدار. ودخل بزيد الدار و (دُخِلَتْ) إن شئت، ومثل ذلك
قوله تعالى (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ) ، وإنما معناه: فجاء بها، وقيل: إنما جاز ذلك لأنه
(دخل) فيها معنى (تميل) ، أي: تميل بالعصبة. فأما قول أبي عبيدة: أنه مقلوب وأن المعنى
لتنوء العصبة بها، كما قال:
إِنَّ سِراجاً لَكَرِيمٌ مَفْخَرُهْ، ... تَحْلى بهِ العَيْنُ، إِذَا مَا تَجْهَرُهْ
أي: يحلا بالعين، فقلب. وقال آخر:
كَانتْ عُقُوبةُ ما جَنَيتُ كما ... كانَ الزِّناءُ عقوبةَ الرجم
وقال امرؤ القيس:
يُضيء الظَّلامَ وجهُها لضجيعِها ... كمِصباح زيتٍ في قناديلِ ذُبَّالِ
أي: في ذُبَّالِ قناديل، والذبال في القناديل.
وهذا ليس بشيء، ولا يجب أن يحمل القرآن عليه؛ لأنَّ هذه تجري مجرى الغلط من العرب، ومثل هذا
في شعرهم كثير، قال الآخر:
مِثْل القَنافِذِ هَدَّاجُونَ قَدْ بَلَغَتْ ... نَجْرَانَ أَو بَلَغَتْ سَوآتِهِم هَجَرُ
وكان حقه أن يقول (هجر سوءاتهم) لأن السوءات هي التي تبلغ هجر، وقال:
غداةَ أحلَّتْ لابنِ أَصْرَمَ طَعْنَةٌ ... حصينٍ عَبيطاتِ السَّدائِفِ والخمرُ
والعبيطات: مفعولة، والطعنة: فاعلة فقلب، ومن أغلاطهم. قول الراجز:
برية لم تعرف المرَقَّقا ... ولم تذُق من البُقُولِ الفُستَقا.
ظن"الفستق"من البقول، فأما قول خداش بن زهير:
وتركبُ خيلا لا هوادةَ بينَها ... وتشقَى الرماحُ بالضياطِرةِ الحمرِ
فذهب جمهور العلماء إلى أن المعنى: وتشقى الضياطرة الحمر بالرماح. فقلب، وليس الأمر عندي
كذلك، وإنما يريد أن رماحهم تشرف عن هَؤُلَاءِ الضياطرة، فإذا طعنوا بها فقد شقيت الرماح؛ لأنَّ
منزلتها أرفع من أن يطعنوا بها، وكذا قول زهير:
فَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلمانَ أَشأَم، كلُّهُمْ ... كأَحْمَرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ