ودليل على أن الاحتراز من الفتنة من أخلاق الأنبياء، إذ جعل موسى
-صلى الله عليه - إياها خلفه، ومشيه أمامها دليل على أنه احترز من فتنة
تلحقه.
وفيه دليل أيضاً على أن تَأَمُّلَ خَلْقِ امرأةِ من وراء الثوب مذموم كتأمله
بَاديَا، وإن كان باديا أعظم، لأن الله - جل جلاله - عالم بخفيات
القلوب، وعارف بما تكن الصدور.
وقد روي في الخبر أن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - فتقدم قوم إلى أوائل الصفوف وتباعدوا عنها خشية
الفتنة على أنفسهم، وتأخر آخرون إلى أواخر الصفوف طمعا في ملاحظتها
فأنزل الله تبارك وتعالى -: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ(24) ، وروي عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -
أنه قال"من تأمل خَلْق امرأة من وراء الثوب وهو صائم أفسد صومه"
-ومعنى أفسد صومه - والله أعلم - أنه لم ينزهه عن محارم
الله لا أنه مفطر بالنظر، لأن الصائم عليه أن ينزه صومه من كل ما عليه
فيه مأثم، ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا"
كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يجهل، فإن أمرؤ قاتله أو شاتمه
فليقل: إني صائم إني صائم"."
فالمتأمل خلق المرأة في حال صومه مدخل عليه بمقدار ما عليه من خطر التأمل خللاً من الفساد، وهاتكا بعض التنزه، وصومه جائز لا إعادة عليه كما أن المصلي تنثلم
صلاته بوسواسه فينقص منها تسعها، وثمنها وسبعها على ما جاء في
الخبر، أي ينقص ثوابه عليها ولا إعادة عليه فيها.
ذكر أن أن تجعل الإجارة ثمنًا للبضع ومهورًا للنساء
وقوله إخبارًا عن شعيب - صلى الله عليه - (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ)