«فإن قلت» : تصور العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو الأقصر، وهو المطالبة بتتمة العشر، فما معنى تعليق العدوان بهما جميعا؟
قلت: معناه، كما أنى إن طولبت بالزيادة على العشر كان عدوانا لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثمانى. أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقر، وأن الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا من غير تفاوت بينهما في القضاء، وأما التتمة فهي موكولة إلى رأيي. إن شئت أتيت بها، وإلا لم أجبر عليها.
والمقصود بقوله: {والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} . توثيق العهد وتأكيده، وأنه لا سبيل لواحد منهما على الخروج عنه أصلا.
أي: والله تعالى شهيد ووكيل ورقيب على ما اتفقنا عليه، وتعاهدنا على تنفيذه، وكفى بشهادته - سبحانه - شهادة.
قال صاحب الكشاف:
فإن قلت ما معنى قوله: {واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب} ؟
قلت: فيه معنيان، أحدهما: أن موسى - عليه السلام - لما قلب الله العصا حية فزع واضطرب، فاتقاها بيده، كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة - أي منقصة - عند الأعداء فإذا ألقيتها فعندما تنقلب حية، فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى.
والثاني: أن يراد بضم جناحة إليه، تجلده وضبطه نفسه، وتشدده عند انقلاب العصا حية، حتى لا يضطرب ولا يرهب...
واسم الإشارة في قوله، فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه... يعود إلى العصا واليد. والتذكير لمراعاة الخبر وهو {بُرْهَانَانِ} والبرهان: الحجة الواضحة النيرة التي تلجم الخصم، وتجعله لا يستطيع معارضتها. أي: فهاتان المعجزتان اللتان أعطيناك إياهما يا موسى، وهما العصا واليد، حجتان واضحتان كائنتان {مِن رَّبِّكَ} فاذهب بهما إلى {فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} لكى تبلغهم رسالتنا، وتأمرهم بإخلاص العبادة لنا.
(وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ(34)
قال صاحب الكشاف:
فإن قلت تصديق أخيه ما الفائدة فيه؟
قلت: ليس الغرض بتصديقه أن يقول له صدقت، أو يقول للناس صدق أخى، وإنما هو أن يلخص بلسانه الحق، ويبسط القول فيه، ويجادل به الكفار كما يصدق القول بالبرهان. وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك، لا لقوله: صدقت، فإن سحبان وباقلا يستويان فيه.