قُلْنَا إِنَّ الْآيَةَ الَّتِي هِيَ قَلْبُ الْعَصَا حَيَّةً كَمَا أَنَّهَا مُعْجِزَةٌ فَهِيَ أَيْضًا تَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ ضَرَرِ فِرْعَوْنَ إِلَى مُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، لِأَنَّهُمْ إِذَا عَلِمُوا أَنَّهُ مَتَى أَلْقَاهَا صَارَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً وَإِنْ أَرَادَ إِرْسَالَهَا عَلَيْهِمْ أَهْلَكَتْهُمْ زَجَرَهُمْ ذَلِكَ عَنِ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِمَا فَصَارَتْ مَانِعَةً مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِمَا بِالْقَتْلِ وَغَيْرِهِ وَصَارَتْ آيَةً وَمُعْجِزَةً فَجَمَعَتْ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَأَمَّا صَلْبُ السَّحَرَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَا صُلِبُوا وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما) فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى إِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَيْهِمَا وَإِيصَالُ الضَّرَرِ إِلَى غَيْرِهِمَا لَا يَقْدَحُ فِيهِ، ثم قال: أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ وَالْمُرَادُ إِمَّا الْغَلَبَةُ بِالحجة وَالْبُرْهَانِ فِي الْحَالِ، أَوِ الْغَلَبَةُ فِي الدَّوْلَةِ، وَالْمَمْلَكَةِ فِي ثَانِي الْحَالِ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى اللَّفْظِ.
(وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(37)
«فَإِنْ قِيلَ» : الْعَاقِبَةُ الْمَحْمُودَةُ وَالْمَذْمُومَةُ كِلْتَاهُمَا يَصِحُّ أَنْ تُسَمَّى عَاقِبَةَ الدَّارِ، لِأَنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَكُونُ خَاتِمَتُهَا بِخَيْرٍ فِي حَقِّ الْبَعْضِ وَبَشَرٍّ فِي حَقِّ الْبَعْضِ الْآخَرِ، فَلِمَ اخْتُصَّتْ خَاتِمَتُهَا بِالْخَيْرِ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ دُونَ خَاتِمَتِهَا بِالشَّرِّ؟