فلما ورد عليه مدحه بها وبدل قوله:
أبا المسك هل في الكأس فضل أناله ... فإني أغنّي منذ حين وتشرب
فجعله أبا الفضل. فلما أنشدها استطال وتكبر وأظهر إعجابا بها فقال أبو
الفضل لبعض ندمائه أخرج هذه القصيدة لينخفض فلما رآها تبسّم وخجل.
شعر يدلّ على همّة قائله وحاله
قال المأمون يوما لمن حضره: أنشدوني بيتا لملك يدل عليه بيته وإن لم يعرف، فأنشد:
أمن أجل أعرابية حلّ أهلها ... جيوب الفلا عيناك تبتدران
فقال: ما يدل هذا على أنه لملك، بل يجوز أن يكون هذا لسوقة من أهل الحضر.
ثم قال: الدالّ على ذلك قول يزيد بن عبد الملك:
اسقني من سلاف ريق سليمى ... واسق هذا النديم كاسا عقارا
فإشارته إلى النديم تؤذن بأنه ملك.
وقوله: لي المحض من ودّهم، ويغمرهم نائلي.
وقال صالح بن حسان، للهيثم بن عدي: أعلمت أن النابغة الذبياني كان مخنّثا؟
فقال: ما علمت ولا سمعت. قال: فكيف قلت؟ قال لقوله: سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه، (البيتين) والله ما يحسن هذه الإشارة إلا مخنّث. فسمع ذلك رجل من قيس فقال:
بل صاحبك الأعشى هو المخنّث حيث يقول:
قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل
النابغ في الشّعر بعد أن كان مكديا
قال السيّد الحميري: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، كأنه في حديقة سبخة فيها نخل طوال، وبجنبها أرض كأنها كافورة، ليس فيها أشجار، فقال لي: أتدري لمن هذه النخيل؟ فقلت: لا. فقال: لامرئ القيس، فاقلعها واغرسها في هذه ففعلت.
فلما أصبحت أتيت ابن سيرين فقصصت رؤياي عليه، فقال: أتقول الشعر؟ قلت: لا.
فقال: أما أنك ستقول مثل شعر امرئ القيس، إلا أنك تقوله في قوم طهرة فما انصرفت إلا وأنا أقول الشعر والنابغتان سمّيا بذلك لأنهما عاشا دهرا لا يقولان شعرا ثمّ نبغا فيه.
تسهيل قول الشّعر على ذي آلته
عمل سقراط بيتين، فقيل له: ما أحسن ما قلت. فقال: إن حفر بئر بقرب قناة يجري منها الماء، سهل. قال البديهي:
وأرى القوافي لا تصير مطيعة ... إلا إلى المثرين من أدواتها
والطبع ليس بمقنع إلا إذا ... حصلت إضافته إلى آلاتها
وقال آخر:
وما الطبع مغن وحده في نظامه ... ولا العلم من حدّ الطّباع بنائب
إذا لم تكن مجموعة أدواته ... فأيسر مبناه كنسج العناكب
وقيل: أصح الشعر وأسهله ما يقوله من بعثه أنف أو دخله كلف.
من تداخله لسماعه الأنفة والحميّة