والمعنى أن استعجالهم بالعذاب إنما كان لاعتقادهم أنه غير كائن ولا لاحق بهم وأنهم ممتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن فقال الله تعالى: {أفبعذابنا يستعجلون} أشراً وبطراً واستهزاء واتكالاً على الأمل الطويل ، ثم قال: هب أن الأمر كما يعتقدون من تمتيعهم وتعميرهم فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك ما ينفعهم حينئذ ما مضى من طول أعمارهم وطيب معايشهم؟.
قال يحيى ابن معاذ: أشد الناس غفلة من اغتر بحياته والتذ بمراداته وسكن إلى مألوفاته والله تعالى يقول: {أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} ، وعن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال: عظني فلم يزده على تلاوة هذه الآية.
فقال ميمون: قد وعظت فأبلغت.
وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقرؤها عند جلوسه للحكم {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ} رسل ينذرونهم.
ولم تدخل الواو على الجملة بعد إلا كما في: {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ} [الحجر: 4] لأن الأصل عدم الواو إذ الجملة صفة ل {قرية} وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف
{ذِكْرِى} منصوبة بمعنى تذكرة لأن أنذر وأذكر متقاربان فكأنه قيل: مذكرون تذكرة.
أو حال من الضمير في {مُنذِرُونَ} أي بنذرونهم ذوي تذكرة أو مفعول له أي ينذرون لأجل التذكرة والموعظة ، أو مرفوعة على أنها خبر مبتدأ محذوف بمعنى هذه ذكرى والجملة اعتراضية ، أو صفة بمعنى منذرون ذوو ذكرى ، أو تكون ذكرى متعلقة ب {أهلكنا} مفعولاً له ، والمعنى وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعدما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم فلا يعصوا مثل عصيانهم {وَمَا كُنَّا ظالمين} فنهلك قوماً غير ظالمين.