يَعْنِي مَا كَانَ فِي الشِّرْكِ يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ: أَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلَمُوا لَهُ , يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ , فَهَاتَانِ الْآيَتَانِ مَكِّيَّتَانِ , وَالَّتِي فِي النِّسَاءِ {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} الْآيَةَ , هَذِهِ مَدَنِيَّةٌ , نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ , وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي نَزَلَتْ فِي الْفُرْقَانِ ثَمَانِ سِنِينَ , وَهِيَ مُبْهَمَةٌ لَيْسَ مِنْهَا مَخْرَجٌ""
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} ، فَقَالَ:
[البحر الرجز]
بُدِّلْنَ بَعْدَ حَرِّهِ خَرِيفًا ... وَبَعْدَ طُولِ النَّفَسِ الْوَجِيفَا
عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنِّي لَأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ , وَآخَرَ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ , قَالَ: يُؤْتَى بِرَجُلٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: نَحُّوا كِبَارَ ذُنُوبِهِ وَسَلُوهُ عَنْ صِغَارِهَا , قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا , وَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا , قَالَ: فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَقَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ مَا أَرَاهَا هَا هُنَا , قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ , قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً".
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ: فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ: أَعْمَالَهُمْ فِي الشِّرْكِ حَسَنَاتٍ فِي الْإِسْلَامِ , بِنَقْلِهِمْ عَمَّا يَسْخَطُهُ اللَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَى مَا يَرْضَى.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ , لِأَنَّ الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ قَدْ كَانَتْ مَضَتْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْقُبْحِ , وَغَيْرُ جَائِزٍ تَحْوِيلُ عَيْنٍ قَدْ مَضَتْ بِصِفَةٍ إِلَى خِلَافِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ , إِلَّا بِتَغْيِيرِهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهَا فِي حَالٍ أُخْرَى , فَيَجِبُ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَنْ يَصِيرَ شِرْكَ الْكَافِرِ الَّذِي كَانَ شِرْكًا فِي الْكُفْرِ بِعَيْنِهِ إِيمَانًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْإِسْلَامِ وَمَعَاصِيهِ كُلِّهَا بِأَعْيَانِهَا طَاعَةً , وَذَلِكَ مَا لَا يَقُولُهُ ذُو حِجًا.
وَقَوْلُهُ: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}