وهذا بخلاف طلب الرئاسة فإن طلابها يسعون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلو في الأرض وتعبد القلوب لهم وميلها إليهم ومساعدتهم لهم على جميع أغراضهم مع كونهم عالين عليهم قاهرين لهم، فترتب على هذا المطلب من المفاسد ما لا يعلمه إلا اللّه من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة والحمية للنفس دون حق اللّه وتعظيم من حقره اللّه، واحتقار من أكرمه اللّه.
ولا تتم الرئاسة الدنيوية إلا بذلك، ولا تنال إلا به وبأضعافه من المفاسد، والرؤساء في عمى عن هذا.
فإذا كشف الغطاء تبين لهم فساد ما كانوا عليه، ولا سيما إذا حشروا في صور الذر يطؤهم أهل الموقف بأرجلهم إهانة لهم وتحقيرا وتصغيرا كما صغروا أمر اللّه وحقروا عباده.
{أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) }
والغرفة: جنس كالجنة، وتأمل كيف جزاءهم على هذه الأقوال المتضمنة للخضوع والذل والاستكانة لله الغرفة والتحتية والسلام في مقابلة صبرهم على سوء خطاب الجاهلين لهم فبدلوا بذلك سلام الله وملائكته عليهم.
(فصل)
قال محمد بن على بن الحسين (الغرفة) الجنة (بما صبروا) قال على الفقر في الدنيا.
وروى أنس عن النبي:"قال اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة"
فقالت عائشة ولم يا رسول الله؟
قال إنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا، يا عائشة لا تردي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة أحبي المساكين وقربيهم فإن الله يقربك يوم القيامة""
قلت لا حجة له في واحدة من الحجتين.
أما الآية فالصبر فيها يتناول صبر الشاكر على طاعته وصبره عن مصيبته، وصبر المبتلى بالفقر وغيره على بلائه، ولو كان المراد بها الصبر على الفقر وحده لم يدل رجحانه على الشكر، فإن القرآن كما دل على جزاء الصابرين دل على جزاء الشاكرين أيضا كما قال تعالى {وسنجزي الشاكرين} {وسيجزي الله الشاكرين}
بل قد أخبر أن رضاه في الشكر ورضاه أكبر من جزائه بالجنات وما فيها وإذا جزى الله الصابرين الغرفة بما صبروا لم يدل ذلك على أنه لا يجزي الشاكرين الغرفة بما شكروا.
وأما الحديث فلا حجة فيه لوجهين: