فَقَالَ يَا أَبَا سعيد مَا هَذِه القرة الْأَعْين أَفِي الدُّنْيَا أم فِي الْآخِرَة؟
قَالَ لَا بل وَالله فِي الدُّنْيَا.
قَالَ وَمَا هِيَ؟
قَالَ وَالله أَن يري الله العَبْد من زَوجته من أَخِيه من حميمه طَاعَة الله، لَا وَالله مَا شَيْء أحب إِلَى الْمَرْء الْمُسلم من أَن يرى ولدا أَو والدا أَو حميما أَو أَخا مُطيعًا لله عز وَجل.
قوله تعالى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}
وَإِمَامٌ بِمَعْنَى قُدْوَةٍ، وَهُوَ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ كَالْأُمَّةِ وَالْأُسْوَةِ.
وَقَدْ قِيلَ: هُوَ جَمْعُ آمِمٍ كَصَاحِبِ وَصِحَابٍ وَرَاجِلٍ وَرِجَالٍ وَتَاجِرٍ وَتُجَّارٍ.
وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ كَقِتَالٍ وَضِرَابٍ، أَيْ ذَوِي إمَامٍ.
وَالصَّوَابُ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ الْمُتَّقِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِمْ، وَالتَّقْوَى وَاجِبَةٌ، وَالِائْتِمَامُ بِهِمْ وَاجِبٌ، وَمُخَالَفَتُهُمْ فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ مُخَالِفٌ لِلِائْتِمَامِ بِهِمْ.
(فصل)
وَقد أثنى الله سُبْحَانَهُ على عباده الْمُؤمنِينَ الَّذين يسألونه أَن يجعلهم أَئِمَّة يهتدى بهم فَقَالَ تَعَالَى فِي صِفَات عباده {وَالَّذين يَقُولُونَ رَبنَا هَب لنا من أَزوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة أعين واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا}
قَالَ ابْن عَبَّاس يهتدى بِنَا فِي الْخَيْر وَقَالَ أَبُو صَالح يقْتَدى بهدانا.
وَقَالَ مَكْحُول أَئِمَّة فِي التَّقْوَى يَقْتَدِي بِنَا المتقون.
وَقَالَ مُجَاهِد اجْعَلْنَا مؤتمين بالمتقين مقتدين بهم وأشكل هَذَا التَّفْسِير على من لم يعرف قدر فهم السّلف وعمق علمهمْ وَقَالَ يجب أَن تكون الْآيَة على هَذَا القَوْل من بَاب المقلوب على تَقْدِير وَاجعَل الْمُتَّقِينَ لنا أَئِمَّة ومعاذ الله أَن يكون شَيْء مقلوبا على وَجهه وَهَذَا من تَمام فهم مُجَاهِد رَحمَه الله فَإِنَّهُ لَا يكون الرجل إِمَامًا لِلْمُتقين حَتَّى يأتم بالمتقين فنبه مُجَاهِد على هَذَا الْوَجْه الَّذِي ينالون بِهِ هَذَا الْمَطْلُوب وَهُوَ اقتداؤهم بالسلف الْمُتَّقِينَ من قبلهم فيجعلهم الله أَئِمَّة لِلْمُتقين من بعدهمْ وَهَذَا من أحسن الْفَهم فِي الْقُرْآن وألطفه لَيْسَ من بَاب الْقلب فِي شَيْء فَمن ائتم بِأَهْل السّنة قبله ائتم بِهِ من بعده وَمن مَعَه.