خلق لهم ما في السموات وما في الأرض، وما في الدنيا والآخرة، ثم أهلهم وأكرمهم، وأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وشرع لهم شرائعه، وأذن لهم في مناجاته كل وقت أرادوا.
وكتب لهم بكل حسنة يعملونها عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.
وكتب لهم بالسيئة الواحدة سيئة واحدة، فإن تابوا منها محاها وأثبت مكانها حسنة.
وإذا بلغت ذنوب أحدهم عنان السماء ثم استغفر ربه غفر له.
ولو لقيه بقراب الأرض خطايا ثم لقيه بالتوحيد لا يشرك به شيئاً لأتاه بقرابها مغفرة.
وشرع لهم سبحانه التوبة الهادمة للذنوب، فوفقهم لفعلها ثم قبلها منهم.
وكذلك ما شرعه لهم من الطاعات والقربات، هو الذي أمرهم بها، وخلقهم لها، وخلقها لهم، وأعطاهم إياها، وأعانهم عليها، ورتب عليها الجزاء بمنه وكرمه.
فمنه السبب، ومنه الجزاء، ومنه التوفيق، ومنه العطاء أولاً وآخراً.
وهم محل إحسانه فقط، ليس منهم شيء، إنما الفضل كله والنعمة كلها والإحسان كله من الله أولاً وآخراً.
أعطى عبده المال وقال: تقرب به إليّ أقبله منك، فالعبد له، والمال له، والثواب منه، فهو المعطي أولاً وآخراً.
فكيف لا يحب الإنسان مَنْ هذا شأنه؟
وكيف لا يستحي العبد أن يصرف شيئاً من محبته إلى غيره؟ ومن أولى بالحمد والثناء والمحبة منه سبحانه؟
ويفرح سبحانه بتوبة العبد إذا تاب إليه أعظم فرح وأكمله، ويكفر عنه سيئاته، ويوجب له محبته بالتوبة، وهو الذي ألهمه إياها، ووفقه لها، وأعانه عليها.
وملأ سبحانه سماواته من ملائكته، واستعملهم في الاستغفار لأهل الأرض، واستعمل حملة العرش منهم في الدعاء لعباده المؤمنين، والاستغفار لذنوبهم كما قال سبحانه: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) } [غافر: 7]
فانظر إلى هذه العناية .. وهذا الإحسان .. وهذا التحنن والعطف .. وهذا التحبب إلى عباده .. وهذا اللطف التام بهم.