وإذا تدبر الإنسان وتفكر .. فإذا حشد عظيم من الخلائق في السماوات والأرض، مما يدرك الإنسان ومما لا يدرك، وإذا حشد من الأفلاك والأجرام مما يعلم الإنسان ومما لا يعلم، وإذا حشد كذلك من الجبال والأشجار والدواب في هذه الأرض التي يعيش عليها الإنسان، إذا بتلك الحشود من
الخلائق كلها في موكب خاشع تسجد كلها لله وتتجه إليه وحده دون سواه إلا ذلك الإنسان، فهو وحده الذي افترق ما بين مؤمن وكافر، وشاكر وجاحد للحق: {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) } [النساء: 55] .
وإذا استقر الإيمان في قلب الإنسان حرك جوارحه للعمل والطاعة، وكلما قوي الإيمان قويت العبادات، وزادت الطاعات.
ولم يشرع الله أمراً فوق طاقة البشر، ولم يكلفهم إلا بما يستطيعون، وقد شرع سبحانه التكاليف وفق ما يعلم من استعداد النفوس، وهو محاسبهم وفق ما يعملونه في حدود الطاقة.
لا يظلمون بتحميلهم ما لا يطيقون، ولا يبخسهم شيئاً مما يعملون، وكل ما يعملونه محسوب في سجل لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها: {وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) } [المؤمنون: 62] .
وإنما يغفل الغافلون من البشر؛ لأن قلوبهم في غمرة عن الحق، لم يمسها نوره المحيي؛ لأنشغالها عنه، واندفاعها في غمرة النية وسط غمرة من الجهل والظلم، والإعراض تمنعهم من الوصول إلى هذا القرآن والانتفاع به: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63) } [المؤمنون: 63] .
إن الكون كله يسبح الله .. سماواته وأرضه .. إنسه وجنه .. أملاكه وأفلاكه .. أحياؤه وجماده: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) } [النور: 41] .