وإنه لمشهد كوني فريد حين يتصور القلب كل حصاة، وكل حجر، وكل ذرة، وكل حبة، وكل ورقة، وكل زهرة، وكل ثمرة، وكل نبتة، وكل شجرة، وكل حشرة، وكل زاحفة، وكل طير، وكل حيوان، وكل إنسان، وكل دابة على الأرض، وكل سابح في الماء، وكل طير في الهواء، وكل مختبئ في الأرض، ومع هؤلاء سكان السماوات، وكلها تسبح الله، وتتوجه إليه في علاه ناطقة بحمده، مسلمة لأمره: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) } [الجمعة: 1] .
وإن القلب ليرجف، وإن الوجدان ليرتعش، وهو يستشعر الحياة تدبُّ في كل ما حوله فيما يراه وفيما لا يراه.
وكلما همت يده أن تلمس شيئاً، وكلما همت رجله أن تطأ شيئاً، وكلما همت عينه أن ترى شيئاً، سمعه يسبح الله، وينبض بالحياة، ويدين لربه بالطاعة: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) [الاسراء: 44] .
ألا ما أجهل البشر، وما أعظم غفلتهم، وما أشد تقصيرهم.
إن كل ذرة في هذا الكون تسبح الله عزَّ وجلَّ.
فأين البشر في ظل هذا الموكب العظيم من الكائنات والمخلوقات العظيمة الهائلة التي تسبح بحمد الله؟
إن البشر في جحود .. وفي غفلة .. وفيهم من يكفر بالله .. وفيهم من يشرك بالله .. وفيهم من ينسب له البنات .. وفيهم من لا يقدر الله حق قدره .. وفيهم من يغفل عن تسبيحه وحمده.
إن البشر أولى من كل شيء في هذا الكون بالتسبيح والتحميد، والمعرفة والتوحيد، لما أكرمهم الله به من العقول، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ووافر النعم، فماذا يريدون فوق ذلك؟.
{فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50) } [المرسلات: 50] .
ولولا حلم الله وعفوه ومغفرته لأخذ البشر أخذ عزيز مقتدر، ولكنه يمهلهم ويذكرهم ويعظهم إنه كان حليماً غفوراً.
إن الروح حيث تشف وتصفو، فتسمع لكل متحرك أو ساكن، وهو ينبض بالروح، ويتوجه بالتسبيح لبارئه وفاطره، فإنها تتهيأ للاتصال بالملأ الأعلى، وتدرك من أسرار الوجود ما لايدركه الغافلون.