قال: هو منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم:
"العجماء جبار"ولم يقل بهذا أحد غير أبي حنيفة.
وقد حكم بالضمان لما أفسدت البهائم بالليل ثلاثة من الأنبياء: داود وسليمان ومحمد صلى الله عليه وسلم . قضى النبي أن على أهل الثمار حفظها بالنهار ، وضمن أصحاب الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل .
وقال أبو حنيفة: لا ضمان.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم:"جرح العجماء جبار"إنما يعني به ما أصابت البهيمة فلا أرض فيه إذا لم يكن على صاحبها حفظها ، لأن العلماء قد أجمعوا على أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها ، إذ عليه حفظها ولا خلاف فيها إلا خلاف من لا يعد خلافاً . فإذا الزم ما أصابت بيديها الدابة فليس بجبار إلا إذا لم يكن على صاحبها حفظها وتضمين أصحاب الماشية ما أصابت بالليل . وهو قول مالك والشافعي.
فالذي يحكم به في مثل هذه القضية في الإسلام أن يقوم ما أفسدته الماشية من الكرم ، ويغرمه أرباب الماشية لأهل الكرم ، لأن حفظ الليل كان عليهم لازماً ، فلما فرطوا ضمنوا الجناية.
ويروى أن ناقة للبراء بن عازب رعت نباتاً لقوم ، فقضى رسول الله عليه السلام أن على أهل الثمار حفظها بالنهار ، وضمن أصحاب المواشي ما أصابت مواشيهم بالليل .
وخالف أبو حنيفة هذا الحكم ، وزغم أنه منسوخ بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"العجماء جبار"والرواية عند أهل الحديث: العجماء جرحها جبار . وقد أجمع أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها ، فدل ذلك أن ما أصابت جبار إذا لم يكن صاحبها معها أو قائدها . فخالف أبو حنيفة ، في هذا داود وسليمان ومحمداً صلى الله عليه وسلم وجميع العلماء ."وجبار"مشتق من جبرت العظم ، إذا لامته ، وجبرت الرَّجْلَ ، إذا نعشته فكان صاحبها يجبر وينعش بإسقاط ما جنته الدابة عنه من غير أن يكون له فيه فعل.