نقول: إن التقوية تأكيد الحكم الإسنادي وتقريره في ذهن السامع، والسر في إفادة تقديم المسند إليه على خبره الفعلي توكيد الحكم وتقويته، أن الاسم لا يؤتى به معرًّى عن العوامل إلا لحديث قد نوي إسناده إليه فإذا قلت: عبد الله مثلًا، فقد أشعرت قلبَ السامع أنك أردت الحديثَ عنه، فإذا جئت بالحديث - وهو الفعل - فقلت: قام أو فعل كذا دخل على القلب دخول المأنوس وقبله قبول المطمئن؛ لأنك قد وطَّأت له وقدمت الإعلان فيه، وذلك لا محالةَ أشد لثبوته وأمنع للشك فيه، هذا ما يراه الإمام عبد القاهر.
والأوضح في بيان سبب التقوية أن يقال برأي السكاكي من أن السبب يتمثل في تكرر الإسناد، حيث نجد الفعل قد أسند إلى الاسم المتقدم مرتين؛ مرةً بطريق غير مباشر؛ لأن فاعله ضمير يعود على الاسم المتقدم، ومرةً بطريق مباشر؛ لأن الجملة من الفعل والفاعل خبر عن هذا الاسم المتقدم؛ ففي قولك مثلًا: زيد قام تَسند القيام إلى زيد مرتين، مرةً باعتبار أنه مرجع الضمير المستتر الذي أعربته فاعلًا لقام، ومرةً باعتبار أن الجملة كلها من الفعل والفاعل خبر عن المبتدأ زيد، وهذا التكرار للإسناد هو سبب وسر التقوية والتأكيد؛ ولذلك قالوا: إن قولهم: أنت لا تكذب، أقوى في نفي الكذب من قولهم: لا تكذب أنت؛ لتكرر الإسناد في الأول دون الثاني.
ومن هنا يعلم أن كل تركيب مفيد للتخصيص قطعًا أو احتمالًا هو بعينه مفيد للتقوي، وإن كان غير مقصود لوجود مقتضى التقوي وهو تكرر إسناد الناشئ من تقديم المسند إليه على الخبر فعلًا، أما التقوي فلا يلزمه التخصيص لتوقف التخصيص على شروط معينة لا يلزم تحققها من وجود تكرر الإسناد.
{فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) }
ومن المجاز الجاري على هذه الطريقة قول قوم إبراهيم كما يحكيه عنهم، وقد أرادوا التنكيل به جزاء تحطيمه لأصنامهم: {فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} (الأنبياء: 61) فقد أطلقت الأعين وأريد بها الأثر الناشئ عنها وهو الرؤية، فهم يريدون: فأتوا به على مرأى ومشهد، أي رؤية ومشاهدة، والقرينة المانعة من إرادة الباصرة حرف الجر"على"فإنه دال على الاستعلاء الحسي، وحين يؤتى بإبراهيم فإنه لن يعلو على أبصارهم، وإنما تتمكن منه رؤيتهم كما يتمكن الراكب على دابته، والتعبير بالمجاز في هذه الصورة يومئ إلى قوة الآلة وشدة أثرها في حدوث الفعل.